BERLIN, GERMANY - JANUARY 13: In this photo illustration model Bitcoins lies in a hand on January 13, 2014 in Berlin, Germany. (Photo by Thomas Trutschel/Photothek via Getty Images)
يستحق 2017 أن يكون وبجدارة عام انتعاش أو جنون – إن صح التعبير- العملات الرقمية، إذ تواصل هذه العملات الصعود منذ بداية هذا العام بنسب غير مسبوقة، وبالرغم من ارتفاعها الملحوظ في 2016، إلا أن العام الجاري يعد استثنائيًّا بكل المقاييس، لهذا النوع من التعاملات، وبعيدًا عن أسباب هذا الانتعاش، فعلى ما يبدو أن العام الجاري سيقود العملات الرقمية إلى منحنى مختلف تمامًا، إذ أصبحت قطاعًا جذابًا جدًا للمستثمرين، رغم المخاطرة، كما أنها كذلك أصبحت أكثر انتشارًا، وباتت تقتنص اعترافات جديدة.
العملات الرقمية، على غرار «بتكوين» هي عملات افتراضية مشفّرة، ليس لها رقم مسلسل، ولا تخضع لسيطرة أية مؤسسة مالية في العالم، إذ يتم التعامل بها فقط عبر شبكة الإنترنت، من دون وجود فيزيائي لها، ويبلغ حجم تداولها في العالم حاليا نحو 4 مليارات دولار.
العملات الرقمية: مفهوم جديد للنقود
محمد عبدالحكيم، خبير أسواق المال ورئيس قسم البحوث لدى شركة (ماسترز) لتداول الأوراق المالية، يقول: «في الماضي كانت العملات تؤدي وظيفتها باعتبارها مخزنًا للقيمة، إضافة إلى وظيفتها كوسيط للتبادل، ثم تطور الأمر فتخلت عن غطائها الذهبي، وبالتالي عن وظيفتها كمخزن للقيمة واحتفظت بدورها كوسيط للتبادل مستمدة الثقة فيها من كونها مضمونة من البنوك المركزية، قبل أن تظهر العملات الإلكترونية، والتي قدمت شكلاً جديدًا للعملات باعتبار عدم مركزيتها، وفقدانها للغطاء الذهبي في الوقت ذاته، لتطرح مفهومًا جديدًا لعصر العملة يعتمد على تتبع سلسلة تداول العملة إلكترونيًّا وبالتالي صعوبة عمليات التزوير، لكن يبقى السؤال: ماذا لو انهارت تلك المنظومة الإلكترونية التي تستمد منها العملات الإلكترونية قوتها والتي تجعلها محل ثقة المتداولين؟».
ويتابع عبد الحكيم خلال حديثه لـ«ساسة بوست» قائلاً: «قد يعتبر البعض عدم مركزية تلك العملات نقطةً إيجابية، بسبب عدم خضوع معاملاتها للضرائب وغيرها من مضايقات الحكومات، لكن في الوقت ذاته فهو يعتبر مصدرًا للخطورة، إذ يتم من خلالها تنفيذ عمليات خارج إطار القانون، وكذلك مخاطر ضمان العملة الذي يتلاشى شيئًا فشيئًا مع انتشار تلك العملات، وتواجدها في حوزة أعداد متزايدة من المتعاملين».
«دخول البنوك المركزية إلى ملعب العملات الإلكترونية هو تجربة جيدة، إذ من الممكن أن يعطي العملة الإلكترونية نوعًا من الغطاء الحكومي، في مقابل رقابة حكومية قد تكون غير مرغوبة من طرف البعض، لكنه يثري بلا شك تجربة النقود الإلكترونية وسيشجع العديد من البنوك المركزية على خوض غمار التجربة التي توفر بلا شك الكثير من فاقد الوقت والجهد والمال الناشئ عن استخدام النقود التقليدية»، كما يقول عبد الحكيم.
مدحت نافع، أستاذ التمويل، والخبير الاقتصادي، يكشف لـ«ساسة بوست» عن أن التطور الطبيعي للعملات المتداولة هو تحوّلها إلى معلومات، سواء على شريحة من بطاقة ائتمان تساوي ملايين الأرصدة، أو معلومات في نظام مصرفي تحمل حجم رصيد يتم صرفه وتحويله بضغطة زر، وتتحوّل كل النقود إلى معلومات فقط دون أدنى حاجة إلى شكل فيزيقي متمثل في بطاقة أو دفتر شيكات، المهم أن تتوفر الثقة في جهة الإصدار، وهو ما ليس متوافرًا حاليًا في عملة البتكوين، والتي توقعنا سابقًا أن تكون تقلباتها شديدة العنف، وهو ما تحقق مؤخرًا.
فرص استثمارية
في الوقت الذي تواصل العملات الرقمية ارتفاعها المذهل، يرى خبراء أن هذا النوع من العملات وفي مقدمتها بتكوين تمثل فرصة جيدة لمن يريد الاستثمار في الأشهر المقبلة، إذ يرجح دانييل ماسترز، المدير في صندوق «غابي» للاستثمار في العملة الرقمية أن تصل قيمة عملة بتكوين إلى حوالي أربعة آلاف دولار، خلال ثمانية أشهر إلى 14 شهرًا، فيما قال أورليان مينانت، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «غيت كوين»، إن سعر العملة قد يرتفع إلى أكثر من ثلاثة آلاف دولار هذا العام.
وتأتي هذه التوقعات، وسط زيادة الطلب على العملة الرقمية «بتكوين» بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، لا سيما بعد أن أجازت اليابان استخدامها وسيلةً للدفع، فضلاً عن كونها يمكن تداولها في البورصات مثل الأسهم والسندات، فقد أصبحت بتكوين وسيلة دفع لبعض شركات التجزئة، ووسيلة لتحويل الأموال دون الحاجة إلى طرف ثالث، وهو الأمر الذي يعزز فرص الاستثمار في العملة الأغلى في العالم حاليًا.
المنافسة على عرش العملات الرقمية
تشهد سوق العملات الافتراضية منافسة قوية قد يكون المستثمرون والمتعاملون بها أحد أبرز ضحاياها، عملة بتكوين شهدت إقبالًا ملحوظًا عليها من قبل المستثمرين، وهو ما يدفعها لتسجيل معدلات غير مسبوقة بشكل يومي، إذ بلغ سعرها نحو 2559 دولارًا في بداية كتابة التقرير، قبل أن تسجل خلال ساعات معدودة نحو 2849 دولارًا، وهو ما يشير إلى اتجاه صعودي كبير.
وبالرغم من صعود بتكوين القوي، إلا أنها تواجه خطر السقوط من عرش العملات الرقمية، إذ يتوقع أن تتجاوزها العملة المنافسة الجديدة «إثيريوم» بحلول نهاية عام 2018، وفقًا لصندوق تحوط العملات الرقمية «بوليشين كابيتال»، فيما قال الرئيس التنفيذي للصندوق «أولاف كارلسون» إن ما قدمته إثيريوم كان أكثر ثراءً، فنظامها البيئي تطور سريعًا للغاية، وهو ما دفع سعرها للنمو بوتيرة فاقت بتكوين بكثير.
وشهدت «إثيريوم» حالة من اهتمام عدد من القطاعات الاقتصادية مؤخرًا، وذلك مثل التمويل والرعاية الصحية، ورغم أن سعر بتكوين يواصل الارتفاع، إلا أن حصتها من سوق العملة الرقمية الافتراضية، انخفض من 90% قبل ثلاثة أشهر، إلى نحو النصف، وفي الوقت ذاته ارتفعت حصة إثيريوم بمقدار أربعة أمثال لتمثل نحو 25% من السوق، لكن يبقى سعرها أقل كثيرًا من بتكوين؛ إذ سجلت نحو 241 دولارًا فقط.
والإيثيريوم عملة رقمية، صدرت خلال شهر أغسطس (آب) 2015، وكانت قيمتها نحو 2.8 دولار أمريكي، ومنذ ذلك الحين شهدت نموًا مُطردًا، إذ قفزت قيمتها حوالي 500% منذ بداية العام الماضي حتى نهاية مارس (آذار) هذا العام، بينما ارتفعت بأكثر من 2800% منذ بدايتها في 2015، وتبلغ القيمة السوقية لهذه العملة، نحو مليار دولار أمريكي، وبالرغم من أن بتكوين التي صدرت في 2008، وهي العملة الرقمية الأكبر، إلا أن ثاني أكبر عُملة رقمية (إثيريوم) تشهد توقعات إيجابية بشكلٍ ملحوظ.
هل يكون 2018 عام ثورة العملات الرقمية داخل البنوك؟
منذ بداية هذا العام أصبح هناك توجه قوي من البنوك لإدخال العملات الرقمية تحت مظلتها، وذلك بعد أن حققت نجاحًا قياسيًّا، فبلا شك البنوك قلقة من انتعاش هذا النوع من التعاملات، فهو يهدد بقاءها في المستقبل لعدم الحاجة إليها، إذ إن التعامل سيكون إلكترونيًّا فقط كما يروج مشجعو العملات الرقمية، محاولات البنوك لاستيعاب ثورة العملات الإلكترونية كان قاصرًا على البنوك التجارية، إلا أنه وفي تطور جديد، كشف البنك المركزي الروسي، مؤخرًا، عن مشروع جديد يهدف لإطلاق عملة وطنية رقمية خاصة بروسيا.
قالت أولغا سكوروبوغاتوف، نائب محافظ البنك المركزي الروسي في منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، إن «البنوك المركزية حول العالم توصلت إلى استنتاج يفضي بضرورة إطلاق عملات رقمية؛ هذا هو المستقبل»، وأضافت المسؤولة المصرفية أن المركزي سيكشف النقاب عن تفاصيل المشروع خلال السنتين أو الثلاث سنوات القادمة، في حين، أعلن وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف أن العملات الرقمية ستقدم في روسيا عام 2018.
وانقسم موقف المسؤولين في روسيا من العملات الرقمية، فمنهم من عارضها لاعتبارات أمنية، إذ من السهولة استخدامها في غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، فيما أيدها آخرون، لا سيما مسؤلو القطاع المصرفي ومنهم غيرمان غريف الرئيس التنفيذي لمصرف «سبيربنك».
وفي بداية فبراير (شباط) الماضي، افتتح في وسط العاصمة النمساوية فيينا أول مصرف لعملة الـ«بتكوين»، وذلك لبيع وشراء العملة الرقمية، إذ تقوم فكرة المصرف الجديد الذي يسمى «بتكوين بنك» على جعل عمليات بيع وشراء «بتكوين» أكثر سهولة وأمانًا من تنفيذها مع وسطاء في الإنترنت، وأصبح الآن بمقدور الأشخاص تحويل اليورو إلى «بتكوين»، والعكس، بواسطة ماكينات صراف آلي.
وفي أغسطس (آب) 2016، قالت «فايننشال تايمز» في تقرير لها، إن أربعة من أضخم البنوك العالمية دخلت في تحالف من أجل إصدار عملة إلكترونية جديدة، يتوقع أن تحدث ثورة في عالم التجارة الإلكترونية، وفي التسويات الخاصة بعمليات التبادل التجاري في العالم، ومن المفترض أن تكون هذه العملة منافسًا قويًّا لـ«بتكوين»، لكنها ستتمتع بدرجة أعلى من الثقة والأمان و«معايير واضحة لاستخدامها في تسويات الأعمال التجارية».
وضمت قائمة البنوك الأربعة: السويسري العالمي (UBS)، ودويتشه بنك الألماني، وبنك «سانتاندر» البريطاني، إضافة إلى المصرف الأمريكي (BNY Mellon)، ووفقًا للتقرير فإن البنوك الأربعة تعتزم طرح العملة في بداية عام 2018، ويأتي هذا الاتجاه وسط الحديث عن تهديد العملات الإلكترونية المشفرة في المدى البعيد سيادة المصارف المركزية، وقد يؤدي ذلك إلى محاربتها أو ترويضها في نظام خاضع للرقابة، وهو ما دعا العديد من المؤسسات المالية العالمية لإعلان خطط لاعتماد العملات الإلكترونية المشفرة اعتبارًا من عام 2018، لتدخل البنوك في دوامة العملات المشفرة على أمل أن تستحوذ على نسبة مرضية من السوق، فهل تستطيع مواجهة «بتكوين»؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.