علم نفس: لماذا يميل عامة الناس لتصديق الأخبار الكاذبة؟

قد يمكننا أن نقول عقلنا لا يبذل قصارى جهده، ويريد أن يسمع ما يشعره بالرضا والراحة؛ على الرغم من معرفتنا التامة بأن كل المعلومات الموجودة على الإنترنت ليست 100% سليمة لنصدِّقها. إلا أنَّك بالتأكيد لاحظت أن أحدًا لا يحبُّ أن يُظهر جهله وتكون بالنسبة له الإجابة الخاطئة أفضل من أن يقول «للأسف لا أعلم». وبدلًا من التسامح مع عدم اليقين فإننا نميلُ إلى ملء الثغرات حتى لو بمعلوماتٍ غير صحيحة. الأمر لا يتعلق فقط بدرجة الجهل والمعرفة لدى الشخص فقط؛ ولكن هل تعلم بأن هناك أسباب نفسية تتسبَّب في ميل الناس لتصديق أخبار مضللة؟.
إن لأدمغتنا ميلًا طبيعيًّا نحو تصفية المُدخلات؛ ليس بشكلٍ منهجيّ للوصول للحقيقة ولكن بشكلٍ عشوائيّ يساعدها على التحيُّز. إذ يسعى الدماغ إلى بذل أقلّ قدرٍ من الجُهد لاتخاذ القرارت، وتفسير معظم الأسئلة التي تملؤ العقل بشكلٍ سهل ومتَّسقٍ مع بعضه. حيث يعتقد البشر عادة أنهم يرون العالم كما هو. وهو المعروف بـ«الواقعية الساذجة» فهم يعتقدون أن ما يروه ويسمعوه هو انعكاسٌ دقيقٌ لما هو واقعي.
الأمر الأهم هنا هو أن ما نراه أو نسمعه يشمله الغموض وبعض التفسيرات الضرورية لفهمه؛ ولكن البشر يميلون لمحاولة خلق معنى لكلِّ حدث؛ ما يشعرهم أكثر بأنهم ما زالوا مسيطرين على زمام الأمور.
لماذا ينتخب الشعب الشخص الخطأ ويصدق كذبه؟
«الاعتقاد الجمعي الواحد» أو الاعتقاد السائد المُجمع عليه ضمنيًا – ويسميه علم النفس الواقعية المجتزئة – قد تكون واحدة من أكبر مسببات خيباتنا في العصر الحديث في نتائج الانتخابات السياسية – والتي بالتبعية تكون نتائج ديموقراطية عددية – فنحن نميل إلى الاعتقاد بأن الآخرين يشبهوننا بقدرٍ كبير «التأثير الكاذب للاعتقاد الجمعي»؛ وهذا يخلق وهمًا خادعًا للجميع عما يريده الناس وما يعتقدون فيه ومن سيصوتون له في الانتخابات السياسية.
من أكثر الأسئلة التي دارت في العالم الشهور القليلة الماضية هي: كيف فاز دونالد ترامب برئاسة أمريكا رغم الكثير من تصريحاته الكاذبة؟ ألم يتمكن منتخبوه من الاطلاع على نفس الأكاذيب التي اعتبرناها واضحة؟  د. جليب ديسبوريسكي الخبير في علم الدماغ فسر سبب سقوط أتباع ترامب في شرك أكاذيبه وما يمكن فعله لمعالجة هذا الوضع مستقبلًا.
سرد جليب حقائق مثيرة للجدل؛ فموقع بوليتيفاكت، وهو موقع غير حزبي معني بالتدقيق في صحة التصريحات الانتخابية الأمريكية ويعمل بالشراكة مع صحيفتي التايمز والإندبندنت؛ صنَّف 44% من البيانات التي أدلى بها ترامب في حواراته على أنها «صحيحة»؛ وأكثر من 50% إما «كاذبة تمامًا» أو «غير مؤكدة». وبالمقارنة مع منافسته هيلاري كلينتون فقد كانت نتيجتها 25% «صحيحة» و12% فقط إما «كاذبة تمامًا» أو «غير مؤكدة».
كتبت صحيفة واشنطن بوست واصفة دونالد ترامب: «لم يظهر من قبل مرشح رئاسي مثل دونالد ترامب في جرأته على قول الكذب ورفض الاعتراف بالخطأ حتى مع مواجهته بأدلة دامغة»؛ وكانت النتيجة التي أعطتها الصحيفة له في درجة الكذب هي 64% في الوقت الذي كانت أسوأ نتيجة حصل عليها سياسي بسبب تصريحاته الكاذبة هي 20%.
الأرقام السابقة هذه كانت تمثل موقف وسائل الإعلام البارزة ووسائل التحقق من المعلومات. ولكن ما الذي حدث قبل عشية الانتخابات؟.
استغلت حملة ترامب الانتخابية ثغرة نفسية لدى المنتخبين وهي: «مجرد أن يذُكر شيءٌ عدة مرات فهو أكثر دقة من غيره». نظر معظم الناخبين لترامب على أنه أكثر جدارة بالثقة من هيلاري كلينتون؛ وقد جاء هذا التصور الكاذب بناءً على انتقاد حملته لهيلاري مستعينين ببياناتٍ معظمها مضللة وغير دقيقة حتى اعتقد الكثير من المنتخبين أن هيلاري أقلَّ صدقًا رغم الكثير من الأدلة على عكس ذلك. حملة ترامب نجحت في ذلك من خلال استخدامهم للواقعية الساذجة؛ وبعبارةٍ أخرى استخدموا خطأ في التفكير البشري يحدث عندما تتكرر بيانات كاذبة مرات عديدة فنبدأ في رؤيتها صحيحة.
اختر ما بين: حقيقة مرهقة أم عقل منظم ومرتاح؟
يبدو أنَّ عقلنا مُصمم لأن يصدِّق أمرًا ويعتبره حقيقيًّا فقط بتكراره دون أي أدلة أخرى تجعلنا نتأكد أكثر من حقيقة الأمور. فكلما تكرر حديثٌ أمامك شعرت براحةٍ أكبر في تصديقه؛ وهذا ما يسقط الكثير منا في سوء الفهم فيصدِّق الأحاديث الكاذبة المتكررة مقابل الحقائق. فأدمغتنا تجعلنا نصدِّق أن خبرًا ما صحيح لأننا نشعر أنه صحيح؛ بغض النظر عن الأدلة وهو ما يعرف باسم «التفكير العاطفي». فعندما نسمع خبرًا أول ما يمر عليه – بسرعة ملي/ثانية – هو عواطفنا وحدسنا وهو ما يسمى بالتفكير السريع ويقابله التفكير البطيء وهما النظامان اللذان حددهما العالم الحائز على جائزة نوبلدانيال كانيمان عام 20111.
لسوء الحظّ في عالمنا الحديث لا يُنقد التفكير السريع بشكلٍ جيِّد ولم نتخلَّص بعدُ من تبعاته السيئة. فعندما نستمع لتصريحاتٍ تتعارض مع معتقداتنا الحالية فإن عواطفنا المسيطرة على نظام التفكير السريع تنظر لها على أنها تهديدات وسرعان ما تتشكَّل مشاعر سلبية بداخلنا تجاهها. على النقيض من ذلك فإن التصريحات التي تتماشى مع معتقداتنا الحالية تشعرنا بالرضا وبالرغبة في تصديقها.
حتَّى وقتٍ قريب كان الأمريكيون يستخدمون وسائل الإعلام الرسمية للحصول على أخبارهم، ما كان يعني أنهم غالبًا ما يتعرَّضون لمعلوماتٍ لا يحبونها لأنها لا تتناسب مع معتقداتهم، والدليل على ذلك خفض ميزانية الإعلام وتفتيت ملكية وسائل الإعلام الأمريكية في العقد الماضي ما أدى لعصر جديد من الأبواق الإعلامية الخاصة المختلفة -ربما إذا أسقطت نفس المعلومات على دولتك لوجدتها صحيحة – وعلاوة على ذلك فوفقًا لمسح من قبل مركز أبحاث «بيو» عام 2016 فالكثير من الناس يحصلون بنحوٍ متزايد على الأخبار بشكلٍ رئيسيّ من داخل فقاعة وسائل الإعلام الاجتماعية الخاصة بهم -فيسبوك وتويتر – والتي تميل لاستبعاد المعلومات التي تختلف عن معتقداتهم الخاصة؛ لذلك تُعزز معتقداتهم ليبدو أن الجميع يشاركونهم نفس الأفكار.
وهذا سبب آخر يجعلنا مصدومين في نتائج الانتخابات السياسية وهو سببٌ تقنيٌّ بحت؛ فنتائج البحث الخاصة بك قد تم صقلها أكثر من مرة لتتناسب مع معتقداتك الحالية ومواقفك السياسية وتفضيلاتك ما جعل من أكبر شبكة عنكبوتية عالمية تتحول لغرفة ضيقة يتردد فيها صدى أفكارك وهو ما يحفر بعقلك ممرًا لتصديق الأخبار الوهمية التي تتعرض لها بعد ذلك.
يستند هذا الاتجاه إلى ثقتنا القوية «التقليدية البديهية» في الأصدقاء باعتبارهم مصدرًا موثوقًا به؛ فوفقًا لتقرير نيلسن العالمي لعام 20155 فأدمغتنا تميل إلى نشر الثقة في المعلومات باستخدام رابط الصداقة الموثوق بها مسبقًا، ويعرف هذا الخطأ في التفكير باسم «تأثير الهالة». لذا يمكننا أن نرى في نتائج هذه البحوث أن ثقة الناس في المؤثرين على وسائل الإعلام الاجتماعية قد نمت بمرور الوقت حتى وصلت إلى مستوى الثقة بأصدقائهم.
أكثر من ذلك؛ فقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة ستانفورد عام 2016 أن أكثر من 80% من الطلاب ذوي الخبرة في وسائل الإعلام الاجتماعية لا يمكنهم تمييز الأخبار من الإعلان؛ كما اعتقد العديد من المشاركين في الدراسة في صحة قصة إخبارية استنادًا إلى عوامل غير ذات صلة مثل حجم الصورة بدلًا من عوامل عقلية مثل مصداقية مصدر الخبر.
ما الحل إذًا؟
نحن هنا أمام مسألتين: كيف نفرق بين الأخبار الصحيحة والكاذبة؟ ثم كيف نقنع العامة بتصديق الأخبار الصحيحة؟
يبدو أنّ الأمر يصعب بمرور الوقت وتصارع المصالح؛ في مرحلةٍ مثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016 ظهرت مهنة من نوعٍ خاص وهي «صحافي الأخبار المزيفة» وتعريفه هُو صحافي – كما يُفترض من الصحافي – ذو مهنية ومصداقية بالنسبة للجمهور ولكنه مختلق للأخبار الكاذبة وداعم لحملة مرشح رئاسي معين وتتناقله البرامج الحوارية معترفين بدوره في نشر الأكاذيب. ولكن لا تخلو الأجواء من بعض الحلول التي يمكنها مساعدتنا للتمييز ودعم الجمهور.
فمن أجل التمييز بين الخبر الصحيح والخبر الكاذب هناك بالأساس مجموعة مواقع قد خضعت لتجربتك مئات بل آلاف المرات، وإذا لم تكن متأكدًا من مصداقية الموقع فلك أن تدخل على قسم About us على الموقع لتجد به تعريفًا يوضح من هم الممولين وما هي أهداف الموقع، وأيضًا إذا كانت القصة الإخبارية سليمة ستجد بها مصادرها فمعظم الأخبار الكاذبة لا تذكر أية مصادر، وكذلك يمكنك البحث على الإنترنت بجزء من النص لتجد المصدر الأصلي أو تجد القصة الخبرية تشترك مع مواقع أخرى زائفة أنت تعرفها بالفعل، وأخيرًا لا تصدق خبرًا على موقع تسمع عنه للمرة الأولى.
والآن ماذا نفعل لنقنع الناس بالأخبار الصحيحة؟ 
للقيام بذلك لا بد من فهم من هم هؤلاء الناس وما يهتمون به حقًا والتحقق من مشاعرهم واهتماماتهم لصنع خطابٍ مناسب لكلِّ فئة، مثل أولئك المهتمين بأمنهم وسلامة أولادهم أو ثرواتهم وأولئك المؤمنين بالحرية، فجميعنا تحركنا الخطابات العاطفية وهو ما قد تفتقده بعض الوسائل الهادفة لنشر الحقيقة وتظن أن أداة الحقيقة كافية لإحداث التأثير المرغوب، فصنع قصة إخبارية مؤثرة قد يراه البعض غير مهم ولكن سيظل استخدام مصطلحات قوية لها صدى عاطفي عميق مساعدًا على جذب الناس وربما يساعدهم هذا على بدء التفكير ثانية، ويبدو أن استخدام العواطف أداة مشتركة بين جبهتي الحرب فإن لم تستخدمها فسيستخدمها منافسك.