السعيد بوتفليقه.. هل سيكون الرئيس الجزائري القادم بعد أخيه؟

تدهور الحالة الصحية للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، 74 عامًا، الذي يحكم البلاد منذ عام 1999، ولم يخاطب شعبه منذ مايو (أيار) 2012، عندما تعهد بمغادرة الحكم في 2014. هذا التدهور يفتح السيناريوهات المحتملة للأسئلة المفتوحة التي تتعلق بهوية وريثه في السلطة.
توسع صلاحيات شقيقه الأصغر، الذي يشغل منصب مستشار في رئاسة الجمهورية، تُثير احتمالات واسعة عن مدى إمكانية خلافته لأخيه الأكبر، خصوصًا بعد تزايد التسريبات بين أروقة السلطة الجزائرية عن كونه الحاكم الفعلي بعد المرض الذي أصاب شقيقه، وأقعده عن ممارسة صلاحياته الدستورية الواسعة.
«خريف بوتفليقة».. الرئيس الذي يُحكم دون أن يظهر
على مدار أكثر من شهرين، ظل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة متغيبًا عن شاشات التليفزيون، أو الاجتماعات الحكومية، قبل أن يكسر هذا الصمت المُطبق بظهور خافت مع
عبد القادر مساهل، وزير العلاقات المغاربية والإفريقية، في فيديو مباشر، بثه التليفزيون الوطني الجزائري، في 19 مارس (آذار) 2017، مجتمعًا بأحد وزرائه.
ظهر بوتفليقة في الفيديو مرتديًا زيًا أسود، وهو ينصت إلى وزيره دون أن يحرك ساكنًا، ما عدا بعض الإشارات الجسدية البطيئة، مكتفيًا بنظرات إلى الكاميرات بجمود، وتحريك يده نحو المنديل على طاولة الاجتماع.
يبدو أن هذا الظهور الأخير، بعد غياب شهور عن الشاشات واللقاءات الرسمية، كان اضطراريًا من جانب الرئيس الجزائري؛ بعد ذيوع خبر وفاته بين المنتديات الجزائرية، وزيادة التكهنات بين الشعب الجزائري عن صحة رئيسهم، بعد إلغاء أكثر من مقابلة له مع مسؤولين دوليين، كالمستشارة الألمانية، وتعذر استقباله لوزير الشؤون الخارجية الإسباني للجزائر، بجانب إلغاء الرئيس الإيراني، حسن روحاني، لجولة كان من المفترض أن يزور خلالها ثلاثة بلدان، من بينها الجزائر.
عبر إصدار فيديوهات مصورة، تذيعها نشرات الأخبار، لجأ بوتفليقة للتواصل مع شعبه الشهور الأخيرة، محاولًا التمسك ببقايا الأمل الأخير، مُمنيًا نفسه بعامٍ جديد يُضاف لمسيرته كرئيس للجزائر، بلد المليون ونصف المليون شهيد، الدولة التي تقوقعت كثيرًا في نظر الكثيرين في الملفات الخارجية بالسنوات الأخيرة.
اكتفى بوتفليقة بهذه المقابلات المُسجلة مع رئيس أو سفير، للرد على الشائعات التي تلاحق حقيقة أزمته الصحية، أو يخرج الوزير الأول أو مسؤول من الحزب الحاكم، بالنيابة عن بوتفليقة لـ«طمأنة» الشعب.
وكانت صحة بوتفليقة قد بدأت في التدهور بالتزامن مع فوزه بالولاية الثالثة للحكم في عام 2009، بتعرضه لالتهاب الشعب الهوائية الحاد، جعلته على إثرها دائم الزيارات الخارجية للتشافي من آثار هذا الالتهاب الحاد.
شكل عام 2013، فصلًا محوريًا في حياة بوتفليقة، بعد تعرضه لجلطة دماغية، وأقعدته لأشهر، متغيبًا عن اللقاءات الرسمية، أو الظهور في نشرات تليفزيونية مُسجلة، مكتفيًا بأخبار يذيعها التليفزيون الجزائري عن سفره لفرنسا للعلاج، وبث أغاني وطنية تدعوه للعودة لقيادة البلاد.
لم تثن تأخر الحالة الصحية، والعجز عن الحركة، وثقل للسان، بوتفليقة عن ترك السلطة، متناسيًا خطبته الأخيرة للشباب الجزائري بعد ثورات الربيع العربي في سنة 2012 التي قال فيها «إنّ على جيله أن يسلّم المشعل للأجيال اللاحقة».
تمادى بوتفليقة في التمسك بمفاصل السلطة؛ بعزمه الترشح لولاية رابعة، عبر إعلان خبر ترشحه عبر الوزير الأول عبد المالك سلال، والذي تنحى بعدها مؤقتًا ليقود حملته الانتخابية، ليظهر على كرسي متحرك في إحدى الدوائر الانتخابية ليصوت لنفسه، وسط تظاهرات غاضبة من قطاعات من الشعب الجزائري.
وبينما ذاعت الشائعات في الأيام الأخيرة عن أخبار تتعلق بنقل بوتفليقة،80 عامًا، على متن طائرة خاصة من الجزائر إلى فرنسا؛ ما جعله يغيب عن أشغال الدورة الـ66 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وعن افتتاح الصالون الدولي للكتاب بالجزائر العاصمة بعد أن كان مقررًا أن يفتتحه شخصيًا، يظهر بين فترة وأخرى مدير الديوان الرئاسي في الجزائر أحمد أويحيى، على وسائل الإعلام المحلية والدولية، يُكذب هذه الأخبار، ويصف مسألة مرض رئيسه «بالإشاعة المغرضة»، وأن الرئيس «تعافى ويوجد بصحة جيدة».
«السعيد بوتفليقة».. الشقيق الأصغر قد يرث كرسي أخيه الأكبر
تزداد التكهنات بشأن هوية وريث بوتفليقة في حكم دولة، هي الأكبر في إفريقيا والعالم العربي، من ناحية المساحة الجغرافية، وتتمتع النسبة الأكبر منها بتعليم جامعي، وثقافة سياسية.
السعيد بوتفليقة، الشقيق الأصغر للرئيس الجزائري، هو واحد من هذه التكهنات، التي ارتفعت حظوظها في الشهور الاخيرة، بعد نجاحه في تقليص نفوذ بعض أجنحة الحكم، التي كانت تعارض ترشح أخيه لولاية رابعة، فضلًا عن النفوذ الواسع في منظومة الحكم بالبلاد، خاصة بعد المرض الذي أصاب شقيقه وأقعده عن ممارسة صلاحياته الدستورية الواسعة.
يرسم الجنرال الجزائري المتقاعد حسين بن حديد ملامح نفوذه، قائلًا: «سعيد بوتفليقة هو الحاكم الفعلي للجزائر، ويخطط لتولى منصب الرئيس في مكان أخيه» موضحًا أنه كان وراء تنحي مسؤول الاستخبارات الجزائرية الجنرال توفيق مدين «بهدف فتح الطريق أمامه لتولي منصب رئيس الجزائر خلفًا لأخيه عبد العزيز بوتفليقة».
سعيد الذي تربي علي يد أخيه الأكبر بعد وفاة والده، الذي كان يعمل وكيلًا بسوق الجملة، عمل أستاذًا محاضرًا، درس بجامعة هواري بومدين باب الزوار حتى عام 1999، سنة انتخاب عبد العزيز بوتفليقة للرئاسة، قبل أن يصدر أخوه الأكبر مرسومًا رئاسيًا بتعيينه مستشارًا خاصًا له داخل رئاسة الجمهورية، بصلاحيات مُطلقة.
يصفه المُقربون منه بأنه يتمتع بذكاء ودهاء، ولا يهوى وسائل الإعلام، ولم يظهر في لقاء منذ تعيينه مستشارًا سوى في لقطات بجوار أخيه خلال نشرات الأخبار، بالرغم من صلاته النافذة مع كبار كتاب الرأي ومنظمات المجتمع المدني بالجزائر، ويصفه البعض بأنه سلطوي مستبد، يستخدم نفوذه في توسعة استثماراته التجارية مع شركات النفط، وابتزاز كبار رجال الأعمال لتمويل حملات شقيقه الأكبرالانتخابية.
وبينما تذهب التكهنات إلي وراثة الشقيق الأصغر لأخيه في الحُكم، ترتفع أصوات حقوقية بالمجتمع الجزائري من الأحزاب وأطراف أخرى للمطالبة بتطبيق المادة 88 من الدستور الجزائري المتضمنة إعلان حالة الشغور والذهاب لانتخابات رئاسية مبكرة.
يُذكر أن المادة 88 من الدستور الجزائري تنص على شغل رئيس الغرفة العليا للبرلمان «مجلس الأمة» منصب الرئاسة خلال الـ45 يوما التي يحضر فيها لانتخابات رئاسية.
يتكشف نفوذ هذا الرجل عبر الحملة التي قادتها وسائل الإعلام الجزائرية حيال النائب في البرلمان الجزائري حسن العريب، بعد توجيه اتهامات لشقيق الرئيس الأصغر بالفساد المالي والسياسي، حيث جرى تلميع هذا الرجل في صفحات كاملة، وكتابة مقالات رأي في صفحاتها الأول تتحدث عن أحقية هذا الرجل في منصبه، واحتياج البلاد لكفاءته.
أخيرًا، يصفه الكاتب الصحافي الفلسطيني عبد الباري عطوان في مقال منشور له بجريدة الرأي، قائلًا: «ولعب سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس دورًا رئيسًا في ضمان ترشح شقيقه لولاية رابعة وتقزيم دور المخابرات بدعم من رئيس أركان الجيش الفريق قائد صالح، واحتواء الصراع داخل جبهة التحرير الوطني عندما أراد بنفليس تقديم ترشيحه لرئاسة البلاد».
ويضيف: «تحول سعيد بوتفليقة بفضل منصبه المستشار الخاص للرئيس، إلى الوسيط بين شقيقه ومسؤولي الدولة، وتعاظم دوره في ظل الوضع الصحي للرئيس الذي نادرًا ما يظهر في مناسبات عمومية وبالكاد ينطلق بكلمات».