جيوبوليتيكال فيوتشرز: لماذا يرفض الجميع دولة أكراد العراق؟

استعادت القوات الحكومية العراقية على مدينة كركوك التي يسيطر عليها الأكراد في 16 أكتوبر/تشرين الأول، وكانت كركوك جزءا من نزاع متزايد بين حكومة إقليم كردستان، التي أجرت استفتاء حول الاستقلال الشهر الماضي، والحكومة في بغداد. وبينما كان تفكك العراق كدولة واضحا منذ أعوام، كان هذا النزاع الأخير يشير إلى أن الوضع لن يسير إلى الأفضل. ومن غير المرجح أن تحقق كردستان العراق الاستقلال، على الرغم من أن غالبية الناخبين قد صوتوا بـ «نعم» للاستقلال. والأكثر من ذلك، أن هذه القضية تقابل عراقيل من عدد من الدول الأخرى، أبرزها تركيا وإيران، واللتان شجعتا بغداد على إخماد الحركة الانفصالية الكردية المتنامية.
وتشير التقارير الأخيرة إلى أن قوات الأمن في بغداد لم تواجه مقاومة تذكر من قوات حكومة إقليم كردستان التي تحكم المنطقة الكردية الشمالية في العراق. وكانت حكومة إقليم كردستان تسيطر على محافظة كركوك الغنية بالنفط، جنوب كردستان العراق، منذ عام 2014، عندما تخلت القوات العراقية عن المنطقة حين اقترب مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية. وقد سيطر الجنود العراقيون على منشآت الطاقة والمنشآت العسكرية الرئيسية. ويعود السبب في ذلك إلى الانقسامات بين الأكراد العراقيين أنفسهم، حيث أبرم ثاني أكبر حزب هناك، وهو الاتحاد الوطني الكردستاني، اتفاقا مع بغداد وطهران وسحب قواته من المنطقة عندما تقدم الجيش العراقي. وتأتي هذه الخطوة بعد 3 أسابيع من تصويت 93% من الأكراد العراقيين لصالح الاستقلال في استفتاء أقيم في إقليم كردستان، الذي يقضي بإعلان دولة كردستان مستقلة تضم مناطق تقع جنوب منطقة الحكم الذاتي الكردية الحالية، بما فيها كركوك.
وكانت بغداد وأربيل على خلاف منذ وقت طويل. وبعد سقوط نظام «صدام حسين» عام 2003، ساعدت واشنطن البلاد على وضع نظام سياسي جديد يسمح للشيعة، الذين يشكلون الأغلبية في العراق، بالسيطرة على الحكومة المركزية، ويسمح للأكراد بالتمتع بالحكم الذاتي الإقليمي. لكن هذا النظام الجديد عانى من عيبين رئيسيين. أولا، تهميش الأقلية السنية، مما أدى إلى تمرد ضخم أدى إلى نشوء تنظيم الدولة الإسلامية. وثانيا، أدى ذلك إلى صراع بين الشيعة والأكراد، حيث واصل الأكراد السعي إلى مزيد من الحكم الذاتي، وخاصة حق تصدير النفط ومنتجاته والتوسع في النفوذ جنوبا.
ولأعوام عديدة، هدأ الاحتكاك بين الشيعة والأكراد العراقيين بسبب تهديد «التمرد السني» المشترك. وشارك الجانبان في جولات عدة من المفاوضات لحل نزاعهما حول السيطرة على موارد النفط والغاز وتقاسم العائدات. لكنهما لم يتمكنا أبدا من التوصل إلى اتفاق. وكونها لا تطل على أي ساحل، تحتاج حكومة إقليم كردستان إلى شركاء لمساعدتها على تصدير النفط دون مساعدة من الحكومة المركزية. ولذلك أقامت علاقات وثيقة مع تركيا المجاورة.
وكانت بغداد غاضبة من كل من أربيل وأنقرة، إلا أنها لم تفعل شيئا يذكر لعرقلة الترتيبات بين الأكراد العراقيين والأتراك. وأصبح هذا هو الوضع الراهن، إلى أن ظهر تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014 واستولى على ثاني أكبر مدن العراق، وهي الموصل. وعندما انسحب الجيش العراقي من الموصل، التي تقع جنوب كردستان العراق، كان ذلك يشكل للأكراد تهديدا وفرصة في نفس الوقت.
وتمثل التهديد في ترك الأكراد عرضة لهجمات التنظيم. وكانت الفرصة في إمكانية استغلال مغادرة القوات العراقية من المنطقة لكي تسيطر قوات الإقليم على أراض إضافية. وقد أدى فشل الدولة الإسلامية “داعش” في التوسع في كركوك إلى ترك هذه المنطقة تحت سيطرة حكومة الإقليم. وبعد صراع دام 3 أعوام، أدى تحرير الموصل، في يوليو/تموز الماضي، إلى تهيئة الظروف أمام الأكراد للتحرك نحو السيادة الكاملة. ومع تراجع خطر تنظيم الدولة الإسلامية، أصبح الصراع بين الشيعة والأكراد هو التحدي الأكبر الذي يواجه البلاد.
وإذا ما انتقلت كردستان العراق من منطقة حكم ذاتي داخل العراق إلى دولة مستقلة، فإن ذلك سيكون له انعكاسات خطيرة على أمن الدول المجاورة، وخصوصا تركيا وإيران، وهما الأقوى نفوذا في المنطقة. ويخوض الأتراك والإيرانيون صراعا طويل الأمد من أجل التأثير في العراق وسوريا، فضلا عن الشرق الأوسط ككل. وعندما ساعدت تركيا حكومة الإقليم في مسألة صادرات الطاقة، كانت في الواقع محاولة لمواجهة تأثير إيران، التي تتحالف مع حكومة بغداد التي يسيطر عليها الشيعة.
ولكن عندما يتعلق الأمر باستقلال الأكراد، يصبح لدى الأتراك والإيرانيين مصالح مشتركة. ويعاني كلا البلدين من حركات انفصالية كردية داخلية، على الرغم من أن الحركة الأقوى في تركيا، التي تضم أكبر عدد من الأكراد في أي بلد في الشرق الأوسط. ولذلك، عارض كلاهما تحرك الأكراد العراقيين نحو الاستقلال. وتتشارك معهما الحكومة العراقية المصلحة أيضا بسبب رغبتها في استعادة كركوك.
والآن، تمضي بغداد، التي تدعمها تركيا وإيران، قدما لاحتواء الأكراد العراقيين. ومما يبعث على التفاؤل أيضا أن الولايات المتحدة تعارض التحرك الكردي نحو السيادة الكاملة. وكانت حكومة إقليم كردستان حليفا رئيسيا لواشنطن، بل كانت من نواح كثيرة شريكا أقرب بكثير من الحكومة المركزية العراقية، نظرا لعلاقات بغداد الوثيقة مع طهران. لكن الاستقلال الكردي ليس في مصلحة الولايات المتحدة، لأنه سيزيد من تفاقم الصراعات القائمة في المنطقة. وفي حال دعمت واشنطن إنشاء دولة كردستان المستقلة في العراق، فإنها قد تشجع الأكراد في سوريا وتركيا على السعي من أجل الاستقلال، الأمر الذي، من المرجح، أن يخلق مشاكل أكبر بكثير بين تركيا والولايات المتحدة.
ولذلك ستحاول الولايات المتحدة التوسط للتوصل إلى هدنة بين بغداد وأربيل، ولكنها ستحاول بشكل رئيسي البقاء بعيدا عن القضية، كما فعلت عندما أخذت القوات العراقية كركوك من إقليم كردستان. وستشارك تركيا وإيران بعمق أكبر نظرا إلى أنهما الأكثر شعورا بالتهديد من الآثار المباشرة للانفصال. ويريد كلاهما منع الأكراد العراقيين من المطالبة بالاستقلال والتوسع جنوبا. لكن هذا هو مدى أهدافهما المشتركة.
وفي النهاية، سيبقى الأكراد العراقيون رهن الصراع على السلطة بين القوى الإقليمية والعالمية. أما بالنسبة للعراق، ستظل معترف بها دوليا كبلد، ولكنها غير قادرة فعليا على التصرف كدولة موحدة.
المصدر | كامران بخاري – جيوبوليتيكال فيوتشرز