كردستان بعد الانتكاسة..الأسئلة الملحة والمكاشفات الغائبة والمراجعات المهملة؟!

المدار / خاص / بغداد 
الخبير بالشأن الكُردي/ سامان نوح 
قبل شهرين من اجراء “استفتاء الاستقلال” شهد اقليم كردستان تراشقاً محتدماً بين الفريقين الرافض والمؤيد للمشروع، الفريق الأول ظل يحذر من مخاطره في ظل التشتت والضعف الداخلي والرفض الدولي والاقليمي مشككا بدقة الحسابات السياسية والاقتصادية لقيادة الاقليم وقدرتها على مواجهة ردود الفعل، فيما الفريق الثاني ظل يبشر بأن الوقت الحالي هو الأفضل وان الدعم الدولي آتي والظرف الاقليمي مناسب فتركيا “تتخبط” وايران “تواجه حربا امريكية” وبغداد اضعف من ان تتحرك ما سيضمن نجاح الاستقلال.
الفريق الأول كان يقول: اننا لا نلمس لدى القيادة أية خطة عملية لانجاح الاستفتاء. فيرد الفريق الثاني: انتم تعانون من ضعف الرؤية وتغرقون في التشاؤمية وتواصلون كالأعداء التشكيك بالامكانات، فالقيادة ومن معها من مستشارين أجانب وخبراء محليين وسياسيين كبار أعلم بدقائق الأمور، و”اللغة الواثقة” للقيادة تؤكد وجود “الكثير من الدعم غير المعلن” والكثير من “المفاجآت السارة”، وان الموقف الامريكي المعلن هو غير الموقف المخفي، وان “سياسة الأمر الواقع ستجبر الجميع على الاعتراف أخيرا بالحق الكردي”.
الفريق الأول كان ينبه الى ان الناس منقسمة، والبنى الداخلية هشة، والمؤسسات مفقودة، والاقتصاد سيء، وقدرات البيشمركة رغم التضحيات محدودة وقادتهم منقسمون، والبرلمان معطل، والديمقراطية تترنح، والاحزاب متصارعة والفساد المتغلغل ينبئ بكوارث. فيرد الفريق الثاني: انتم واهمون فالاقليم قوة كبيرة وشريك لدول عظمى، والنفط يصدر بحرية والشركات تتنافس للفوز بعقود جديدة، وهناك 17 حزبا كرديا وتركمانيا ومسيحيا يؤيدون الاستفتاء، وتجربة الكرد قوية وارادتهم لا حدود لها، ولا احد يستطيع الوقوف بوجهها، وعملية محاربة الفساد وبناء المؤسسات تأتي بعد اعلان الدولة.
الفريق الأول كان يقول ان الدول الكبرى تحركها مصالحها وليس للأخلاقيات علاقة بالصراعات، وشعارات “اننا نقاتل داعش نيابة عن كل العالم”، و”اننا هزمنا اعتى قوة عرفتها البشرية والتي دمرت جيوش دولتين” لا قيمة لها في سوق المصالح ولن تتحقق الأهداف. فيرد الفريق الثاني: القيادة اقامت لوبيات قوية، وهناك 80 دولة ستعترف بكردستان، وممثلو الحكومة بالخارج واثقون من دعم أكثر من 30 دولة قوية ومن اعترافها بالاستقلال حال اعلانه، وفي كل العالم عدا تركيا وايران لن تجد احدا يعارض حقوق الكرد.
الفريق الأول كان ينبه: تركيا دولة عدوة وأمنها فوق كل اعتبار اقتصادي. فيرد الفريق الثاني: انها صديقة وكل تهديدات ووعيد قادتها مجرد تأجيج اعلامي للاستهلاك المحلي ولعدم خسارة اصوات القوميين، وان الامور ممتازة معها بوجود الاتفاقات النفطية المغرية، وان مصالح تركيا في النفط الرخيص والسوق الكردية المفتوحة يلغي احتمال تهديد الاستقلال مستقبلا لأمنها القومي ونحن اثبتنا طوال عقدين باننا حلفاء مخلصون لتركيا وضامنون لأمنها.
الفريق الأول ظل يحذر من خطر ايران وأذرعها المحلية والاقليمية التي لن تسكت، فهي تقاتل على بعد آلاف الكيلومترات فماذا ستفعل في كردستان وهي على حدودها. فيرد الفريق الثاني: لن تستطيع فعل اي شيء، وهي مذعورة من تهديدات امريكا بشأن ملفها النووي، وواشنطن معنا وهي تبحث عن اي فرصة لضرب ايران بل هي تريد توريط طهران في كردستان لتملك الحجة القوية الجاهزة للتدخل المباشر ضد ايران.
الفريق الأول كان يقول ان بغداد رغم ضعفها لديها اوراق ضغط مقلقة وان الحرب اذا اندلعت في بعض المناطق فستحمل نتائج كارثية. فيرد الفريق الثاني: بغداد اعجز من ان تفعل اي شيء، فحكومتها الطائفية فاشلة وعاجزة حتى عن حماية العاصمة، وغارقة في المشاكل والانقسامات وتواجه الافلاس، واذا اتفقت المليشيات الشعية ضد الكرد وهو امر بعيد، فان العالم كله سيتحرك لمساعدتنا، والعشائر السنية ستقاتل معنا بدعم الخليجيين.
الفريق الأول: اذن لدى القيادة خطة محكمة (أ) ووعود مؤكدة بدعم دولي كبير، ولديها في حالة الطوارئ وتنفيذ طهران او انقرة او بغداد لأي من تهديداتها خطة (ب) بأبعاد “امنية سياسية اقتصادية” لمواجهتها وتجاوز اية ازمات مؤقتة محتلمة، وان لديها ايضا خطة (ج) لمواجهة كل ما هو غير متوقع في حال تعثر الخطة (أ) واضطراب الخطة (ب).
الفريق الثاني: نعم بالتأكيد فكل شيء محسوب له الف حساب، وكل تحرك من بغداد او من دول الاقليم سيقابله اكثر من تحرك من اربيل.. وستنجح سياسة الامر الواقع، كما نجحت في فرض الفيدرالية وبعدها في تصدير النفط والسيطرة على كل المناطق المتنازع عليها ورسم الحدود بالدم ورفع العلم في كركوك لتصبح كردية شاء من شاء وأبى من أبى.
فذهب الناس الى الاستفتاء مطمئنين لبشارات النصر، ليجنوا معها ثمار الاستقلال المنتظر منذ عقود، وليبدأ الازدهار الاقتصادي والرخاء ويعم السلم، ويتفرغ الجميع لاعادة بناء الديمقراطية المترنحة والمؤسسات المفقودة ودولة المواطنة والعدالة الاجتماعية والحريات الغائبة وتبدأ الاصلاحات ومكافحة الفساد وورش البناء والاعمار.
ثم وقع ما وقع…………  وفي ساعات حدثت سلسلة الانهيارات التي افقدت قيادة الاقليم السيطرة على 50% من خارطة الاراضي الكردستانية بما فيها كركوك وعلى 60% من موارده الاقتصادية، وحولت الاقليم من دولة غير معلنة الى ادارة ذاتية مترنحة.
يتساءل الفريق الأول اليوم، بعد ان صمت الفريق الثاني: الآن ألم تحن ساعة الاصلاحات الحقيقية وقبلها المراجعات والمكاشفات والرد على الأسئلة الملحة؟:-
–  كيف سيتم تجاوز انتكاسات الحسابات الخاطئة للمسؤولين في الأحزاب القائدة؟.
–  كيف سيتم تجاوز مصيبة حسابات الوهم التي صنعها كبار المستشارين الدوليين وكبار الخبراء المحلين، ومن معهم من معلقي وكتبة الفضائيات؟.
– على أي أسس سيتم العودة للتفاوض مع بغداد؟ وتحت اي سقوف سياسية ودستورية؟ ووفق اية عوامل شراكة؟ وتحت اية عناوين (قومية، وطنية، مصلحية)؟ واي خطوط حمراء وخضراء؟. وعلى أية حدود جغرافية واية حدود سياسية (ادارة ذاتية ام كونفدرالية)؟
– هل سيكون هناك عقد شراكة جديد؟ ام عقود مصالح جديدة؟.. هل ستكون هنالك شروط الغالب والمغلوب؟ ام رجاحة البناء على المشتركات وتصحيح الأخطاء؟.
ثم داخليا:
– كيف سيتم هضم خطأ حسابات 15 حزبا مشاركا في قرار الاستفتاء بخبراتها الجليلة في دقائق الشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية على الساحات الاقليمية والدولية؟.
– كيف سيتم التعاطي مع نتائج “وهم” الدعم الدولي الكبير المستحصل من خلال ممثليات حكومات الاقليم ولوبياتها؟
– كيف سيتم التعامل مع معطيات “بالونات” دعم 11 حزبا وتجمعا تركمانيا التي كانت تقول انها تمثل ارادة كل تركمان كركوك؟.
– كيف سيتم التعاطي مع اكاذيب بيانات مساندة جوقات قادة وشيوخ العشائر السنية الذين اعلنوا الولاء للدفاع عن كردستان المستقلة؟.
– كيف سيتم معالجة نتائج الانشاء اللغوي لمئات من صحفي وكبار محللي الفضائيات الكردية، من صانعي الأوهام؟… وهل من استراتيجية اعلامية جديدة؟.
– في كل القطاعات، أين هي الخطط البديلة، ومن سيرسمها؟ هل ذات مسؤولي الدواوين الحاليين……؟.
– كيف ستتدبر حكومة الاقليم تأمين الرواتب في الاشهر المقبلة بعد تراجع صادراتها الى 250 من 600 الف برميل يوميا، هل هناك خطة محددة للخروج من المأزق، بعد ان انهارت خطط الاصلاح السابقة، واحجية برنامج البيومتري، واوهام القضاء على الفساد واعادة توجيه الاقتصاد؟!.
– كيف سيتم التعامل مع مخاوف اهالي سهل نينوى ومع تطلعاتهم، هؤلاء الذين يخشون العودة لبيوتهم واستعادة الحياة فيها، ويواصلون هجرتهم النهائية؟.
– كيف سيتم التعامل مع كارثة سنجار الثانية؟.
– كيف سيتم التعاطي مع اطنان من الوعود الكبرى (السياسية والاقتصادية) التي كانت تنهال على المواطنين طوال سنوات؟ والتي ظلت تسقط كأوراق الخريف حتى كادت تودي بالجميع!.
– كيف سيتم معالجة مصيبة ان قوات البيشمركة غير موحدة؟ وان الألوية الموحدة مع كل ازمة تنقسم فورا وفق انتماءاتها الحزبية؟ كما حدث في كركوك خلال ساعات!.
–  متى وكيف ستجرى الانتخابات؟ وبأي خطاب، واية رؤية سياسية واية شعارات؟ بعد ان سقطت سيل من الشعارات  والبرامج الدعائية والوعود والتطمينات!.
– متى وكيف ومن سيعلن الحرب على الفساد؟ الداء الأشد فتكا بكردستان… فمن تحدى كل العالم لاجراء الاستفتاء كان الأسهل والأجدى له ان يتحدى حيتان الفساد ويعلن حربا اصلاحية حقيقية!.
– هل ستكون هناك استراتيجية كردية جديدة للعمل في اطار الاقليم وخارجه؟ ومن سيكتب تلك الاستراتيجية؟ ومن سيوحد الكرد خلفها وسط خلافات احزابهم المتزايد بين كلمات التخوين ومطالب حكومة انقاذ وحكومة تكنوقراط والتمرد الشامل؟.
– هل سيتم اعادة انتاج ذات النظام السياسي الهش المتآكل؟ بذات عقلية العمل والحكم الحزبية الصرفة؟ …هل سيكون هناك دستور كردستاني، ونظام برلماني، وقانون جديد لرئاسة الاقليم، ومؤسسات ومواطنة وحياة مدنية، واحزاب جديدة، وقيادات جديدة؟…. ام اننا سنعود للحلقة ذاتها بعد مرور الكارثة، سنعود مجددا للمربع الأول؟.