إعاة بناء الجيش العراقي والعلاقة برئاسة الوزاء القادمة؟

المدار / باسم العوادي
مرت قبل ايام قليلة الذكرى السابعة والتسعين لتأسيس الجيش العراقي، حيث كانت متميزة فعلا هذه المرة، فهي المرة الاولى التي يحقق فيها الجيش نصرين وطنيين حاسمين في آن واحد بعد مسيره طويلة كان فيها الجيش العراقي أداة للقمع او الانقلاب في اغلب محطات تاريخه الحديث، وبمراجعة سريعة نجد ان المتغير الوحيد الذي طرأ في هذا التحول هو العقلية الجديدة للقيادة العامة للقوات المسلحة التي انعكست بالايجاب على كامل القوات المسلحة.
لم توضع أولوية هامة للجيش العراقي ما بعد انسحاب القوات الامريكية في العراق عام 2011، حيث تعرض الجيش ما بعد هذا التاريخ الى عملية استلاب حقيقية داخلية وخارجية، فعلى مستوى الداخل حولت المناصب والرتب القيادية الى هبات ورشاوى تباع وتشترى في مزاد عسكري أعلى، قادت هذه الحالة بدورها الى تحويل الجيش الى اقطاعيات او مافيات عقود وتسليح وجباية رواتب، ونهشته مظاهر الفساد من أعلى حيث مكتب الوزير الفاسد، الى الاسفل حيث الضابط الصغير الذي يسرق نصف مرتبات جنوده مقابل عدم الدوام.
على مستوى الخارج قاد الاعلام الخليجي حملة طائفية شعواء لاظهار الجيش وكأنه جيش طائفي قاتِل يمثل حكومة او رئيس وزراء، فتحول الجيش العراقي الى “جيش المالكي” في اشهر وسائل الاعلام العربية في محاولة لتحريض العرب وبالخصوص سنة العراق بالضد منه والتمرد عليه وعدم اللالتحاق به ومحاولة حصره في الزاوية الطائفية الضيقة.
امام هذه الحقائق وغيرها كان من الطبيعي ان ينهار هذا الجيش الجديد المتهالك امام مؤامرة داعش فتنسحب فرقه والويته من اربع محافظات كاملة وبما لايقل عن نصف مساحة العراق بدون ان تصمد اية فرقة او لواء في مدينة معينة كما صمد اناس بسطاء بعضهم لايجيد استخدام السلاح كما حصل في مدينة “آمرلي” مثلا.
بقي الجيش العراقي كسيحا الى ان حلت بدله الفتوى واستبدل جنوده بمتطوعيها وبدا الوليد الجديد وهو الحشد الشعبي بالتبلور وتحقيق الانتصارات انطلاقا من جرف النصر الى تكريت، هنا دق ناقوس الخطر لعدد كبير من الدول الخارجية والاقليمية والتي تحسست مسارا لعلو قامة الحشد الشعبي وفصائله لتكون قوة العراق الاساسية على حساب الجيش الوطني المنكسر، وهذا مايكون مشهدا شبيها بما يحصل في لبنان، وعليه زاد الاهتمام الخارجي بموضوعة اعادة هيكلة وتدريب الجيش العراقي وبث الدم في عروقه.
لم تكن هذه المفصلية بعديه عن نظر رئيس الوزراء العبادي، لكن لسبب آخر وطني غير الاسباب الخارجية، فالدولة بحاجة لجيشها ودوره، والمعارك في المناطق الغربية بحاجة الى قوة وطنية عراقية مشتركة تمثل الدولة تكون مقبولة بدل قوة حشدية فتوائية يحشد ضدها اغلب دول الاقليم طائفيا خوفا منها بناء على قاعدة اذا كان حزب الله  اللبناني ـ وبلا نفط وبالزيت والزعتر ـ استطاع ان يردع اسرائيل، فماذا يستطيع ان يفعل الحشد الشعبي ـ في بلد النفط وبالكباب والباجه ـ ان يفعل فيما لو وقعت ثروة العراق تحت يد هذا الوليد؟، واذا كان حزب الله يربض بعيدا عن الخليج حيث حدود اسرائيل، بينما يربض الحشد الشعبي على حدود السعودية ذاتها وعلى مقربة ساعات فقط من كل العواصم الخليجية؟.
هنا بدأت تتولد حتمية ثنائية وهي ” الجيش والحشد” ، فأما ان تعاد عملية صياغة الجيش العراقي واعادة هيبته الوطنية وتطويره ليكون ممثلا عسكريا وحيدا للعراق، او ان عدم حصول ذلك يعني حاجة العراق الماسة الى الحشد الشعبي المهيأ ليحل محل الجيش مابعد الانتكاسة والهزيمة؟.
هذه الثنائية قادت الى عمل دؤوب ولعشرات الدول القريبة والبعيده [ الصديقة والعدوة] للعراق في المساعدة في اعادة الهيكلة والتدريب والتسليح بالاتفاق مع رؤية رئيس الوزراء لجيش وطني لكنه مختلف عن جيش ما قبل الهزيمة، لذلك كان وزير الدفاع الجديد ورئيس الاركان الجديد وبعض اسماء قادة الفرق والالوية الجدد الذين ساهموا بقوة في رفع معنويات الجيش وتطوير مسيرته في النهوض من الانكسار بطريقة حرق المراحل ليتحول ذلك الجيش من منهزم عام 2014 الى صانع اكبر نصر عام 2016 وهي من الحالات النادرة عالميا.
ثنائية “الجيش والحشد” ومستقبل كلُ منهم في العراق والمنطقة ساهمت في رسم سياسية كل الدول المجاورة تجاه العراق، وساعدت الحكومة العراقية على تقديم نموذج وطني متوازن امامهم، وستظل هذه الثنائية احد أهم محركات المواقف الخارجية تجاه العراق، وستبقى هذه الثنائية احد أهم صناع منصب رئاسة الوزراء القادمة.
الجيش العراقي الناهض الجديد بحاجة الى ان يستمر بهذه المسيرة التصاعدية وعملية بنائه التي تبناها رئيس الوزراء حيدر العبادي، لم تكتمل بعد وبحاجة الى سنوات قادمة اخرى لكي يبلور العبادي جيشا وطنيا محترفا غير مخترق بالفساد او الطائفية او الولاءات الخارجية، وهذا الجيش بدروه سيحمي الدولة الوطنية المدنية البعيده عن الميول والاتجاهات المشابهة، وبالتالي هذا مايحتم ان تكون هذه الالويات حاضرة في اختيار شخص رئيس الوزراء القادم وانه لايمكن التضحية بما تم تحقيقة خلال السنتين الماضيتين بسهولة لكي لا تتزعزع ثنائية “الجيش والحشد” التي تميز العبادي بانه وضع لها ضوابط ومنهجية وحافظ على توازن وطني لعل غيره سيجد صعوبة كبيرة في ادارة دفته.
واذا ما انفلت التوازن في ثنائية “الجيش والحشد” فسنكون امام صورتين، صورة داخلية تُعبر عن حكومة جديدة قد تغلب احد كفتي الثنائية، فتغليب الكفة الاولى يعني نزاعا داخليا مدمرا، واذا تغلبت الكفة الثانية فنزاع خارجي مدمر.
وانطلاقا من هذه المفصلية فقد وضعت كل الاطراف الداخلية والخارجية المساهمة في عملية صنع القيادة القادمة هذا الموضوع من ضمن الاولويات الحاسمة في شخصية رئيس الوزراء القادم.