المرأة واللغة .. حِصارٌ ذكوري

المدار/ لندن/ حسين السكافي

(الأصل في اللغة التذكير، وتذكير المؤنث واسع جداً لأنه رد الى الأصل ) ” إبن جني “

هذا شاهد من أهل الدار، انه العالم النحوي الكبير، ابو الفتح عثمان المعروف (بأبن جني) ت 392هـ.

وإذا ما عرفنا ان اللغة ليست هي مجرد رموز تدل على مداليل معينة، بل هي المخزون الذهني للثقافة ومستودع خبرة الجماعة، فكل مفردة من مفردات اللغة مشحونة بشحنة دلالية معقدة ومتعددة الجوانب ،وهي امكانية كامنة بالقوة، واشمل من النظام اللغوي للغة نفسها، (ان اللغة بيت الوجود، وفي بيتها يسكن الانسان)… الفيلسوف الالماني (هايدغر).

من هذا يتضح ان انحياز اللغة يعني بطبيعة الحال انحياز ثقافة بكاملها، والإنحياز اللغوي هذا واضح في تعامل اللغة العربية مع المرأة، والشواهد عليه مفضوحة بل هي موضع افتخار في ادبياتنا ، ومن المناسب هنا الاشارة الى عدم الخلط بين اللغة بوصفها (ظاهرة) وبين النظرية التي تسعى الى استنباط قوانين تلك اللغة كـ(النحو والصرف ) وما الى ذلك، والتحيز الموجود ربما يعود في اغلبه الى الثقافة النحوية من خلال العنصر الذكوري المسيطر عليها.

والشواهد التي تؤسس لهذا التحيز والتمييز (الجنوسي) اللغوي منبثة في تضاعيف قواعد اللغة و قوانينها، فالجمع اللغوي الذي تشدد اللغة العربية على ان يعامل معاملة ( جمع المذكر) ولو كان المشار اليه بصيغة الجمع جمعاً من النساء وكان بين الجمع رجل واحد، فبمجرد وجود هذا الكيان الذكوري وإن كان ساذجاً لا يفقه شيئاً، يصبح الجمع (جمع مذكر)، فهذا الواحد يصادر ذلك الحضور النسائي حتى لو ضمّ هذا الجمع الشاعرة العظيمة الخنساء او درو فوست رئيسة جامعة (هارفارد)، أو المهندسة المعمارية العالمية (زها حديد ) او الشاعرة المبدعة نازك الملائكة، التي هزت صرح القصيدة العمودية (الذكورية) وصدّعته ، أو دورثي هودجكن ، التي طورت تقنية معرفة التركيب الذري للبنسلين والإنسولين. ومُنحت جائزة نوبل للكيمياء . وهناك الكثير من النساء على قمة الهرم السياسي لبعض الدول الكبرى والمتقدمة .

ومن تراث اللغة الذكوري ( التنوين ) الذي لا يلحق بالأسماء الأعجمية، ولا يلحق بالإسم العلم المؤنث، وهذا واضح في الحط من قيمة المرأة، فكما ان الأعجمي، نسبة الى العجماوات من الحيوانات، كذلك تلحق الأنثى مع صنفها من الحيوانات العجماوات! … وفي حال استخدام الألفاظ التي يستوي فيها المؤنث والمذكر فأن كل ضمير يأتي بعدها يكون عائداً للمذكر، تأكيدا لأصالة المذكر وهامشية المؤنث.

وستبقى لعنة (تاء التأنيث الساكنة) في ثقافتنا الذكورية المتغطرسة تلاحقها اينما ذهبت وبأي منصب حلت ، فمن غير المسموح ان تحتل المرأة مناصب هي للرجل محجوزة وعلى المرأة محضورة، وان كان لابد من ذلك فعليها ان تلبس قناعاً (ذكوريا) وتخلع هويتها الأنثوية حتى تمر بصمت و خجل من تحت سيف (عنترة ) ، فيقال عن المرأة التي تتقلد منصباً رفيعا كمنصب وزارة ، يُقال لها الوزير فلانة،… بدلاً من الوزيرة ، أو النائب فلانة بدل النائبة والمستشار فلانة بدل المستشارة … الخ .

( ولتصمت النساء في الجماعات شأنها في جميع كنائس القديسين فأنه لا يؤذن لهن بالتكلم )…ذلك قول القديس (بولس)…… وهذا الشاعر (الفرزدق) : حين سمع إمرأة تنظم شعراً ، قال : ( اذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها ) . فالشعر شيطان ذكر، كما يقول، ( ابو النجم العجلي ). وحضر الفقيه فكتب وأوجز: (صوت المرأة عورة) فحصرها بين صوتها الذي هو منها ، والعورة التي احتلتها عنوة و شوهت صوتها الذي خصه الله تعالى بجمال مميز، ولكن إرادته تعارضت مع ارادة الفقيه، فكانت الغلبة لإرادة الفقيه …. (اذا طرق عليها الباب طارق، فلتغلظ صوتها في الرد عليه بوضع ظهر كفها على فمها حتى لا يظهر صوتها رخيما).

وعندما دخل الرجل عالم القراءة والكتابة، حرص ان يكون هذا العالم مملكته هو وحده، (الإصابة في منع النساء من الكتابة)،…. ذلك ما الّفه (خير الدين نعمان بن أبي الثناء الآلوسي). ويمضي فيقول : ( اما تعليم النساء القراءة والكتابة فأعوذ بالله إذ لا أرى شيئاً أضر منه بهن .