الشفاهية والتدوينية .. وإشكالية الوعي

المدار/ لندن / حسين السكافي

إن الكلام عن اللغة لا يخلو من صعوبة ، بل صعوبات جمّة ، لأن اللغة تعني الإنسان بكل ابعاده الثقافية والإنسانية، فهي كما عبر عنها الفيلسوف هايدغر، بأنها بيت الوجود وفي بيتها يقيم الإنسان.

اللغة لها قابلية على تشكيل إدراكنا و وعينا ، فالكلمات التي نستعملها ونفكر بها ونسمعها لها تأثير كبير على الطريقة التي نرى بها الأشياء.

وبقي الإنسان رهين الوسيلة الطبيعية في تخاطبه وعلاقاته مع الآخر، أي (المشافهة) احقاباً زمنية طويلة. وما ان إهتدى لمعرفة الكتابة، عندها بدأ تفكير الإنسان يتغير بعد هذا الإنجاز الهائل، حيث إن الكتابة هي الوسيلة التي جعلت دورة الحضارة تبدأ خطواتها الأولى. وتطورت الكتابة من كونها شكلا من الصور المرسومة على الجدران، او منقوشة على جلد الحيوانات وما الى ذلك ، الى أن أخذ الحرف مكانه في تشكيل الكلمة . ومن هنا بدأت العين تأخذ مكانة أكبر مما سبق وراحت تنافس الوسيلة الشفاهية، التي تعتمد على الذاكرة، في حين تجاوزت الكتابةُ الذاكرةَ الى عالم التدوين.

الأمر المهم في هذا المجال هو أن الفرق بين الوسيلتين الشفاهية والتدوينة لا ينحصر في الأداء وطريقة ايصال المعلومة او الاحتفاظ بها ،وإنما الفرق بينهما يتعمق اكثر حين نعرف ان لكل وسيلة – الشفاهية والتدوينية – قابلية على تشكيل طريقة تفكير الإنسان و وعيه وثقافته، وهذاما يدعونا الى معرفة بعض ما تمتاز به كل من الوسيلتين :

– تعتمد الشفاهية على الأسلوب التجميعي الذي يؤكد على صيغ من شأنها تقوية الذاكرة مثل السجع و التكرار، مقابل الأسلوب (التحليلي) في الثقافة البصرية.

– ومن المميزات المهمة للثقافة الشفهية ، ان صاحب الثقافة الشفهية يحاول ان يُرجِع الرسائل الشفهية التي تصله، الى (أفكاره النمطية) الغائرة في أعماقه والتي تؤثر في قناعاته وميوله .

– الإفراط من سمات الثقافة الشفاهية، الشفاهي يُفرط في المديح والهجاء، لأنه (مستقطب)، والإستقطاب يقسم العالم الى فسطاطين. إما أسود أو أبيض . خيرٌ مطلق أو شرٌ مطلق . إما عدو او صديق. انها ثنائية مانوية مرعبة ، في حين ان الحقائق نسبية وليست مطلقة.

– الشفاهية تؤكد على الحِفظ، فالذاكرة هي المصدر والمَعين. والمعروف أن التركيز على الحفظ له مخاطره ومنزلقاته، حيث يجعل تدفق الكلمات عادة (اوتوماتيكية) الأمر الذي يقلل من فرص التجريب والتحليل.

– التدوينية تساهم في التأسيس للسلمية الإجتماعية، في حين الإتصال الشفاهي يقلصها، لأن الشفاهي يكون أكثر انفعالاً مما يجعله اكثر عرضة للخطا وأبعد عن الموضوعية، وبنفس الوقت لا يستطيع مراجعة ما قاله، على خلاف التدويني، يدون ثم يقرأ، ولدية الفرصة في حذف ما يمكن أن يسبب حرجاً اساءة للآخر، وبالتالي يتيح فرصاً اكثر للسلمية الإجتماعية.

– تُشجِّع الشفاهية على إتهام الآخر، وذلك للجهل بالأسباب، لكونها ثقافة يعوزها منطق البحث و الروح التوثيقية، فالجهل مثلا بالأسباب العلمية والموضوعية للأمراض و الأوبئة يجعل الشفاهي يتهم الآخر بأنه قد سَحَرَه أو حَسَدَه، وعليه تزداد العداوات وينتشر تبادل التهم ، فالمرأة التي لا تعرف كيف تكسب ودّ وحب زوجها، تتهم جاراتها او بعض قريباتها بأنهن عملن لها سحراً او كُنّ لها من الحاسدات وما الى ذلك من التُهم الجاهزة .

– الشفاهي يُحب إثارة الجمهور حتى يحصل على إستجابات وقتيه وبحماسة عالية، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة والموضوعية .