الصورةُ حضورٌ و خطاب

المدار/لندن/حسين السكافي

وجدت الصورة بوجود الإنسان، لذلك ستبقى.

كيف ترى لا ماذا ترى .

يبقى الإنسان الذي أبصر قبل أن يتكلم ورسم قبل أن يكتب، يبقى هذا الإنسان هو موضوع الصورة المتميز، الإنسان باوضاعه الإجتماعية وحالاته النفسية وعلاقاته الممتدة مع الطبيعة، فمنذ أن عرف الإنسان الكهف كمأوى، جعل من جدرانه مستودعا يحفظ له ما يحكيه خياله منذ فجر التاريخ. فأقدم صورة عرفتها جدران كهوف (لاسكو) و (التاميرا) و (تاسيلي) رسمها الانسان تعود الى ثلاثين الف سنة.

والصورة من مميزاتها أنها (رمزية)، لذا فهي أفضل من ألف كلمة، كما تقول الحكمة الصينية. والصورة يحكمها قانون: (أن ترى يعني أن تختصر). وكل شئ يريد أن يتحول الى صورة، حتى اللغة جعلت من الأصوات والحروف صوراً. ومسيرة الصورة عبر تأريخها الطويل مرتبطة بتطور العين في قراءة الصورة وتأولها. لقد كانت العين اداة للإحساس بالمسافة فاصبحت الأداة الجوهرية للإحساس بالحداثة، كما عبر عن ذلك المفكر (ديفيد بروتون). وضمن هذه السياقات التطورية للممارسة البصرية اصبحت للصورة مصداقية تفوق مصداقية الواقع، حيث صارت تمثل وقعا فائقا (Hyper Reality) حتى صرنا نقيس الواقع على الصورة، فالسلعة التي لا تشبه الصورة تكون غير مرضية لنا. وتجاوزت الصورة هذه النقلة التي صنعت فيها واقعها الفائق الى نقلة خطيرة حين صدمتنا بواقع جديد، هو (الواقع الافتراضي) (Virtual Reality) فانظمة هذا الواقع الإفتراضي تضع الانسان بداخلها كما لو انه يعيش او يندمج جسديا داخل ذلك العالم، يرى ويسمع ويلمس. وكلمة (افتراضي) لا تشير الى شئ يوجد عند مستوى (التخيل) فقط، انها تجعل الشخص يتعامل معها كما لو انه يزاول نشاطا طبيعيا. والصورة الافتراضية هذه صارت تستعمل في مجالات حياتية حساسة ومهمة، كمجال الطيران والعمارة والجراحة والحرب والفضاء. هذا وقد أُعلن عن اول حديقة افتراضية في في مدينة (اوزاكا) في اليابان.

الصورة كخطاب بصري

هناك أكثر من دلالة ثاوية في متن النص البصري، يسعى المهتمون بالصورة للوصول اليها. لذلك تعددت المدارس والنظريات في قراءة النصوص البصرية ،

أي قراءة الصورة بابعادها الثلاثة : البعد المادي، والبعد الشكلي، والبعد الدلالي والتي تستوجب بعض المهارات والقابليات منها: ما هو تقني، وما هو بلاغي، وما هو تأريخي، فهي نسيج حي يلتقي عنده، الإدراك، والوعي، والثقافة، والجمال، والسلطة، والتأريخ، كل هذا حتى نستنطق الصورة ونستخرج دلالاتها ومضامينها الكامنة فيها، فقراءة اي صورة يعني الدخول في علاقة ذات معنى مع العمل الفني نفسه، للوصول الى العلاقات والأنساق التعبيرية التي تنظم ذلك النص البصري.

هناك مرحلتان في قراءة الصورة :

– التأمل، الذي يحيلنا باتجاه المظهر البصري لها.

– الفعل الذي يحيلنا الى رموز الصورة لنركز علىيها ونفككها ونفهمها كمضمون لرسالة بصرية. وتحليلنا للصورة لا يأخذنا الى الخلفية المادية لها، فهو لا يشير الى الفيزياء او الكيمياء، او كل ما له علاقة بتكونها المادي، ولكن يقودنا الى الإحساس بالمعنى.

من خلال ما تقدم نرى ان كيفية قراءة الصورة ليست بالأمر البسيط، فمن لا يعرف البعد التأريخي للنص البصري مثلا قد تكون قراءته مبتورة، لأن الدلالة التأريخية قد تحيلنا الى فهم اعمق للصورة. فالسائح الذي ينظر الى( برج ايفل) في باريس(كصورة بصرية) دون ان يعرف قصة وتأريخ هذا البرج، يرى فيه عملا هندسيا عملاقا ورائعا، تحتضنه منطقة سياحية جميلة فحسب، ولكن الشخص الفرنسي يرى في صورة البرج شيئا آخر، يراه كجزء من تأريخ بلاده. وكذلك الحال في من يفتقر الى ثقافة لونية، قد يرى الألوان من خلال طيفها الفيزيائي الذي لا يحمل الدلالات التي تعنيها الصورة كخطاب بصري، عندها يكون قد قرأ الصورة قراءة فوَّتت عليه الكثير من الأنساق التعبيرية التي يتوفر عليها ذلك النص البصري.