تأثيرات انسحاب امريكا من الاتفاق النووي على تشكيل الحكومة القادمة

المدار / باسم العوادي

مع قرار الرئيس ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران من طرف واحد كتب البعض عن تأثيرات هذا القرار على واقع تشكيل الحكومة القادمة، ولكن أغلب ما كتب من تعليقات صغيره لايعدو الا ان يكون نظرة الى نصف الكأس الفارغ بينما لم يتم التطرق الى الصورة الكلية الواضحة ونصف الكأس الآخر المملوء.

وفي هذا المقام طرحت رؤيتان سوق للأولى كثيرا فيما تم اغماض العين عن الثانية:

التأثير الأول: وهو ان تأثير الانسحاب سينعكس سلبيا على العراق وسيدفع ايران للتمسك بالاطراف الداعمة لمحور المقاومة في العراق وانها ستدعم تشكيل حكومة عراقية من هذه الاطراف سيكون لها تأثير حاسم خلال المرحلة القادمة في التأثير على عموم الوجود الامريكي في المنطقة، وهذا يقتضي العمل بالضد من بقاء رئيس الوزراء العبادي لدورة ثانية او ابعاد منهجة المتوازن عن ادارة السلطة في العراق وتمكين اطراف اخرى مغايرة لمنهجة في التعاطي مع الملفات الخارجية لتكون الساحة العراقية كأداة ضغط تجبر الاطراف الاقليمية والخارجية على إعادة قراءة موقفها من قوة ايران في المنطقة، وانها تمتلك اوراق كثيره يمكن من خلالها ان تعيد التعقل لامريكا او حتى الاتحاد الاوربي الذي منحته ايران فرصه لاثبات قدرته في الحفاظ على الاتفاق النووي قبل ان تأخذ قرارها الاخير خلال الاسابيع القادمة.

وبناء على هذه القراءة يتوقع ان تكون الساحة العراقية مشتعلة وتعود الى المربع الاول من الاستقطاب والتصعيد والمواجهات والخلافات الداخلية والخارجية.

التأثير الثاني: وهو ما تم تغييبه كقراءة سياسية هامة مخالفة للقرأة الاولى تماما حيث ان الانسحاب الامريكي من الاتفاق النووي سيكون عاملا هاما يدفع بإيران الى تسكين الساحة العراقية وهذا قائم على اساس ان ايران ستجري عملية إعادة لترتيب أولوياتها السياسية في المنطقة وتحديد تأثير المناطق والدول حسب الترتيب الرقمي واحد واثنان وثلاثة …الخ.

وهذا يقود الى نتيجة منطقية في الحسابات السياسية مفادها انه مع اندلاع هذه الازمة التي لم يعرف الآن تأثيراتها القادمة ومدى خطورتها على المنطقة عموما سيدفع الجمهورية الاسلامية الى عدم الافراط في التعاطي مع الساحة العراقية والانجرار الى سياسية المناكفة فيها وانما ستقوم بتسكين الساحة العراقية وحفظ التوازن السياسي والابقاء على الموجود  حاليا من اداء سياسي داخلي خارجي لان تأزيم الواقع العراقي يعني مشكلة بحاجة الى عناية فائقة قد تشغل ايران تماما عن تركيزها الأساس بناء على قاعدة ان العراق لايقع في قائمة الأولويات التي تهتم بها الجمهورية الاسلامية كحال سوريا ولبنان.

ولأن التأزيم والمناكفة في الساحة العراقية لن يصيب أمريكا بالضرر فقط وانما سيصيب دول الأتحاد الاوربي اكثر وسيحرمها من السوق العراقية بما ينعكس ذلك سلبا على موقف هذه الدول من ايران ويدفعها بالتشدد ايضا بالضد من ايران وربما تتوجه نحو أمريكا.

كذلك فأن التأزيم في الساحة العراقية سيقود الى تأزيم اقليمي تام وسيخلق من العراق بؤرة ازمة بحاجة الى عناية وتفرغ قد يقود الى نتائج غير مضمونه على المدى البعيد…

وانطلاقا من هذه القراءة الثانية وهي الأقرب وفقا لحسابات الربح والخسارة المتوقعة فان الجمهورية الاسلامية ستلجأ الى الابتعاد عن زج الساحة العراقية في تشكيل حكومة تميل لطرف على حساب طرف آخر وانما ستعمل على الحفاظ على  الموجود المتوازن الحالي الذي لايسبب ضررا وقد لايجر منفعه كبيرة ولكنه يكفي في تهدئة الساحة وتسكينها ومراقبتها عن كثب والتفرغ لازمة النووي وتداعياتها على الاقتصاد والعلاقة مع امريكا والاتحاد الاوربي والحفاظ على المكاسب على الارض في لبنان وسوريا.

وهذه الرؤية تصب في صالح بقاء العبادي لدوره ثانية باعتباره هو المطلوب والقادر على هذا التسكين المتوازن الذي يبقي الواقع العراقي بعيدا عن الاستثمار السلبي او الايجابي على عكس الرؤية الاولى التي لا تصب في صالحه.

لاشك ان المتضرر الاول من الانسحاب الامريكي من الاتفاقية النووية هو الخط الاصلاحي الوسط الذي يمثله الرئيس روحاني وفريقه الذي كان المحرك للاتفاقية، روحاني القريب من منهج العبادي في العراق والذي اعطته ايران قيادة وجماهير فرصه الدورة الثانية لاكمال مسيرته المتوازنه ومع الانسحاب الترامبي فان القوة ستصبح في صالح الخط الاصولي الايراني ولاسيما وان الانسحاب يأتي بعد ازمة هبوط العملة الايرانية التي اضرت بالرئيس روحاني ومنهجه وخطه الوسط، وتراجع الخط الاصلاحي في ايران يعني تراجع للخط الاصلاحي المتوازن في العراق ايضا.