قراءة في مؤشرات (المقاطعة) لانتخابات آيار 2018

المدار / محمد صادق الهاشمي

نسبة المشاركة في انتخابات عام 2018 كما يبدوا من النتائج شبه النهائية لاتتجاوز (45%) وربما تزيد قليلا ,ولو نظرنا لهذه النسبة قياسا الى القانون العراقي فانها نتائج دستورية مقبولة وهكذا لو قيست الى الانتخابات في الدول الاوربية والاسيوية والاسلامية ذات الديمقراطيات الراسخة فان نسب نتائج الانتخابات في امريكا- مثلا – لم تتجاوز 55% تقريبا , اما لو قيست الى انتخابات عام 2010 وعام 2015في العراق فان نزولا واضحا يصل الى 15% وربما 20% وربما اكثر من هذا ,وهذا الامر يحتاج الى تسليط الضوء على تلك النتيجة.

اولا : اسباب هبوط نسبة الانتخابات

1- السبب الاول هو انتهاء المحركات الاساسية التي كانت تحرك الجمهور العراقي فالمكون الكردي لم تعد الشعارات القومية لديه محركة في ظل الاخفاق ونفس الكلام ينطبق على المكون الشيعي والسني هذا بالنسبة الى جزء من المقاطعين.

2- ان حجم الفساد وطغيان الحزبية والأسروية والمصالح الشخصية والاخفاق المتكرر في ثلاث تجارب انتخابية القى بظلاله على الناخب العراقي ووحد نسبة من مكونات الشعب العراقي على القطيعة.

3 ـ وسائل الاعلام الحزبية كافة ومن كل الاتجاهات التي كانت تبث وعلى المدار الساعة اخبار التسقيط والفساد وتقارير قلة الخدمات وانعدام الامن كجزء من حربها بالضد من الآخر حيث ساعدت من حيث تشعر اولا تشعر بان اداء هذا قد ساهم في اقناع الراي العام العراقي بخراب العملية السياسية بالكامل واهميته مقاطعتها.

4- الحملات الانتخابية الباذخة والتسقيطية حتى على حساب المنجز الوطني الحقيقي ساهمت في اقناع الاغلبية الصامتة على المقاطعة وفسحت المجال للجمهور السياسي بالمشاركة وحسم التصويت لصالحه .

5- فهم الجمهور العراقي الى بيان المرجعية فهما طغى عليه ان المقصود بترك المرجعية المواطن بالخيار يعني ان يتخذ قرار القطيعة، وهذا الفهم في ظل التراكمات التي تعمقت لدى المواطن العراقي من الاحباطات واحداث النهب والسلب والتي سارت بها الركبان , نعم المواطن فهم ان المقصود هو القطيعة لان الخطبة كانت تعكس معانات فقيه يتألم ويتحسر وهو يستحضر حركة تاريخ الانبياء والمصلحين ومعاناتهم وكيف اخفقت تجاربهم ومن كان السبب فيها، هذا الفيض من المقدمات جعل المتبادر لدى المواطن هو القطيعة بعد حملات ترويج مكثفة بهذا الاتجاه من قبل اطراف كثيرة.

6- الخطاب الانتخابي كان دون المستوى المطلوب ولا يتجاوز وجوده على الورق من شعارات لا تنسجم ولاتحرك الناخبين نحو الصناديق ولا تلبي طموحهم بل انشغل البعض منهم في الحديث عن التحالفات والحكومة واخرين في كيل التهم للاخرين .

6- التقاطع الايديولوجي العميق والمتبنيات المختلفة وغير المنسجمة بين الاحزاب الشيعية والسنية والكردية فكل مكون له تجارب من الاحباط تختص به فضلا عن الاحباطات الاخرى الخاصة.

7- التوجه الاسروي والحزبي لدى بعض القيادات السياسية وتورم الذات والشخصيات والمال والجاه ومقاطعة الفقراء وغيرها من الاسباب.

ثانيا : موشرات الهبوط

1- عكست النسبة المعلنة عزوفا لدى الناخب العراقي سواء كان شيعيا ,او سنيا ,او كرديا وهذا لايمكن لاحد ان ينكره في ظل النتائج والارقام التي توكدها المفوضية، وهذا يلقي حمولة خطره على العملية السياسية وعلى السياسيين في آن واحد ويقلص من عمرها وينهي الحصانات فيها .

2- هذا العزوف مؤشر على ان جميع الاحزاب التي بلغ عددها (205) تتساوى في قوتها وضعفها وفي مدى محركيتها للجمهور العراقي ولو كانت احدى تلك الاحزاب تعني الى الشعب العراقي الكثير وانها معبرة عن طموحاته لارتفعت النسبة. وعليه فالعزوف يتحمل الجميع مسوليته الاسلاميون منهم والمدنيون وكل من شارك في الانتخابات ومن مختلف المكونات والجهات والاحزاب.

3- قد ينظر البعض لغفلة منه او تجاهل او جهل الى نتيجته والى مقدار المقاعد التي حصل عليها دون ان يلتفت الى الخطر الانتخابي المحدق بالعملية السياسية كلها والذي تجسد مؤشره الاول في تخلي الجمهور عن ثوابته السياسية . وهنا تكمن الطامة وتكون قد اقتربت ساعة العملية السياسية في العراق.

4- التراكم المستمر للاحباط الذي اختزنته العقلية العراقية ومن مختلف المكونات حتى عادت لم ترى في الافق المنسد اي حزب يمكن ان تركن اليه ملبيا عن طموحاتها لتخرج باعداد كبيرة منتخبة له , فهذا الكم الكبير الذي قاطع العملية لو وجد من يوفر له حياة كريمة لبادر الى الاشتراك في العمل الانتخابي .

5- ان العملية السياسية في العراق ترسم منذ عام 2005 الى عام 2018 خطا بيانيا نازلا يوضح تقلص عدد الناخبين, وان الجمهور العراقي الذي هو عماد العملية السياسية الان اخذ يقاطع العملية الانتخابية مما ينعكس على العملية السياسية ضعفا وقلقا كبيرا ومؤشرا خطير.

6- هذه القطيعة لم تات عفوية بل اخذ الشعب العراقي ينظم عملية المقاطعة فقد كانت تنطلق من اكاديميين ومثقفين وشخصيات نوعية عبر مواقع الانترنت والكروبات بل وصدرت بيانات رسمية تدعو للمقاطعة وقع عليها اسماء معروفة سياسية او ثقافية او فكرية او اخرى.

ثالثا : تحليل نسبة

1- يمكن ان يقال ان نسبة العزوف بلغت 51% لانتخابات عام 2018 وهي تشكل فارق عن الانتخبات السابقة يتراوح من 20 الى 30% تقريبا ولكن ليس جميع هولاء عازفين عن الانتخابات للاساب التي تم ذكر البعض منها .

2- البعض من المقاطعين وربما بنسبة معتد بها كانت الاسباب الفنية تحول دون الوصول بيسر او تمنع الانسيابية فضلا عن الخلل في التعامل مع الصناديق (( البايومترية )) اصلاحا وادخالا كونها تجربة مستجدة على المواطن العراقي مضافا الى تحديد الوقت الى الساعة (6) مساء بينما في الانتخابات السابقة كان الاغلب من المواطنين يذهبون بعد الساعد (6) وبسبب الاقبال تمدد الفترة الزمنية للانتخابات للسماح للمزيد بالمشاركة خصوصا هناك مليون ناخب من ذوي الحاجات الخاصة, وهذا – التمديد – حصل حتى في اغلب دول العالم.

3- ربما النسبة التي شاركت يمكن القول انها النسبة الحزبية بدرجة كبيرة وبالتالي ان انتخابات عام 2018 هي انتخابات في الغالب انتخابات حزبية .

4- ان الموثرات الخارجية من وسايل اعلام مختلفة لها دور كبير في خلق العزوف وهذا يستدعي ان نراجع ادواتنا ونصحح الاداء ونغير البرامج والرجالات والادوات وطرق التواصل بعد ان عرفنا ان جمهور كبير واقع تحت تاثيرات خارج تاثيرات اعلام الدولة والاحزاب المكونة للعملية السياسية.

رابعا : النتيجة

1- وفق ما تقدم فلنعترف ان عزوفا واضحا ومقاطعة لها اساب مهمة ومتعددة كل هذه الحقائق تستدعي من السياسيين والاحزاب والمرجعية الى معالجة الخلل في العملية السياسية وقانون الانتخابات لاعادة ثقة الامة بالتجربة السياسية من خلال تغيير الوجوه وطرح احزاب جديدة ووجوه اكثر قدرة ومقبولية بدفع من النجف وفتوى (( الحشد السياسي )) على غرار ((الحشد الشعبي)) والا فان تدنيا قادما ومستمرا يصل بنا الى الفشل مالم نعيد الامل ونقوي المحركات وان الفرصة مازالت موجودة .

2- غيروا الاداء وتواصلوا مع الجمهور وتعرفوا على محنته والمه, واسباب قطيعته .

3- غيروا ادوات خطابكم ووسائلكم الاعلامية التي اثبتت الاحداث فجوتها الكبيرة , وضعفها امام الموثرات الكبيرة الخارجية .

4- اهتموا بالنتيجة الكبيرة وهي العزوف وتقلص العدد اكثر من اهتمامكم بعدد مقاعدكم , وهنا يتجسد حرصكم وفاعليتكم فالاهتمام بالكبريات يخلق رجال كبار ونتائج اكبر, والا فان تركم الاخطاء يعني تراكم للفشل , اسال الله تعالى التوفيق واننا على ثقة تامة ان العراق بخير .