ازمة وطنية صامتة..الغاء النتائج اضطراب وتصديقها تزوير وفساد

المدار / فريق التحليل السياسي

لازالت الازمة ضاربة في العمق فيما يتعلق بنتائج الانتخابات البرلمانية الاخيرة حيث انقسم الواقع السياسي العراقي الى قسمين، فائز فرح يرفض الغاء النتائج والمضي قدما في التصويت عليها، وآخر يطالب بالغائها ويقدم العرائض للمؤسسات الدولية والاقليمية لكي يحصل على مرادة.

وبين “الالغاء والتصديق” هناك ازمة وطنية فعلية تشهدها الساحة السياسية لايمكن ان يتم تجاوزها بسهولة لانها في كلا الحالتين ستترك جوانب سلبية خطيرة على الشرعية السياسية التي ستتمتع بها الحكومة والبرلمان القادمين.

بكل المقاييس كانت النتائج الانتخابية مفاجئة من العيار الثقيل فهي مضطربة جدا وغير مناسبة لحجوم الكتل والتحالفات الواقعية المتوقعة والتي رصدتها مراكز الاستطلاع والبحث والاستقراء بالرغم من الهامش المقبول في نسبة الخطأ فيها ، وبلا شك فان نسبة المقاطعة التي حصلت قد اثرت كثيرا حيث قللت من العتبة المطلوبة للفوز بالخصوص في المدن الكبيرة كبغداد والبصرة والموصل مما ساعد الكتل المنظمة الكبيرة في الحصول على مقاعد كثيرة في مقابل ارقام قليلة.

خطورة الالغاء:

1 ـ رفض الصدري والفتح : بعد فوز سائرون والفتح بالمركزين الاول والثاني فهما يعتقدان بانهما قد حصلا على حقهما الطبيعي بدون زيادة، بل ان التيار الصدري يعتقد انها النسبة الحقيقية التي كان يحرم منها تزويرا في الانتخابات الماضية، هنا تبدو عملية الالغاء شبه مستحيلة باعتبار ان هذه الاطراف لن تسلم بسهولة للتراجع عما حققته من نصر كاسح، وان إعادة الانتخابات مرة اخرى سوف لن توفر لهم مثل هذه الارقام مجددا لذلك فهم يعتبران الحديث عن الغاء الانتخابات انما هو ضربة موجه لهم من الاحزاب الاخرى غير الفائزة وربما قد تقود عملية الالغاء الى تصدعات قوية في الشارع العراقي والشيعي تحديدا لايمكن التكهن بنتائجها حاليا.

2 ـ فشل التجربة : تبدو عملية الالغاء والتوجه لانتخابات جديدة غير مجدية وغير مقنعة في ظل وجود شارع مقاطع كبير وتيارات حزبية تنتظر الحصاد وعليه فاعادة الانتخابات قد تقود الى مقاطعة اكبر ولاسيما وان الراي العام سيتهم الاطراف السياسية بعدم الاتفاق والنضج السياسي مما يقود الى حالة احجام عن الانتخابات الجديدة قد لايحمد عقابها.

3 ـ وبعض النظر فيما اذا كان الدستور والقانون العراقي يوافق على الالغاء او لا، فان عملية الاعادة لايمكن ان تحصل اذا اريد لها النجاح في فترة قياسية قادمة بمعنى انه لابد من الالغاء والتوجه الى انتخابات جديدة في فترة لا تقل عن 6 اشهرا او اكثر وهذا يتطلب ايضا تأجيل الانتخابات المحلية في المحافظات مما يقود الى فراغ حكومي وبرلماني ما بعد الشهر السابع، فهل يسمح الدستور العراقي ببقاء الحكومة لتصريف الاعمال لمدة تصل الى السنة بدون غطاء برلماني؟.

4 ـ الالغاء والاعادة يتطلب ايضا ابعاد المفوضية الحالية بالكامل وايجاد مفوضية جديدة وقانون انتخابات جديد واستعدادات ومصاريف جديدة وهذا غير متوفر لان عملية اقرار قانون جديدة ومفوضية جديدة تحتاج الى برلمان ليقرها والبرلمان سيكون خارج اطار التغطية بتاريخ الاول من تموز الجاري.

وعليه تبدو عملية الحديث عن الالغاء اشبه بالمستحيلة في ظل الظروف الحالية وفقا لهذه الاسباب وغيرها.

خطورة التصديق:

في طرف المعادلة الاخرى تبدو عملية المصادقة على نتائج الانتخابات عملية انتحار وطني اخرى للاسباب التالية :

1 ـ التلاعب والتزوير من اطراف كثيرة اصبح اشهر من ان يشار اليه وستكون عملية تصديق نتائج الانتخابات هذه المرة اشبه بمهر امضاء للمفوضية ولكل الاطراف السياسية وبصورة علنية بأن عليها ان تزور وتتلاعب في الانتخابات القادمة وسيجعل من المفوضية الحالية او القادمة تشعر وكأنها محمية وغير خاضعة للمحاسبة او المسائلة مهما فعلت ومهما كانت صورة او طبيعة العملية الانتخابية من حيث قيم النجاج والفشل.

 2 ـ كل الاطراف السياسية ستشعر بأن العملية الانتخابية هي عبارة عن حلبة تزوير وخداع وفرض ارادات للوصول الى السلطة بالقوة والمال والنفوذ والتاثير وان الشاطر هو من يستطيع ان يزور بشتى الوسائل لكي يحصل على الحصة المناسبة في البرلمان والحكومة.

3 ـ ان اقرار النتائج على هذه الوضعية ستجعل من البرلمان القادم والحكومة والمناصب التي ستنبثق عنه مطعونا بشرعيتها امام الراي العام العراقي والعالم وهذا ما يزيد الازمات العراقية سوءا ويكون عاملا نفسيا جديدا يساعد في ابتعاد الشارع العراقي عن العملية السياسية والقنوط من اصلاحها.

 4 ـ اقرار النتائج بعد ما كشف من تلاعب في الانتخابات سيعطي رسالة سلبية للدول الاقليمية والعالمية بان العملية الانتخابية العراقية عبارة عن سباق قوة لايجاد مساحة نفوذ لها في العراق مما سيدفعها للتدخل والمساعدة على التلاعب لاحقا لاثبات الوجود والنفوذ والتاثير في الشأن العراقي ناهيك عن سقوط القيمة الاعتبارية للديمقراطية العراقية الفتية.

5 ـ المصادقة على نتائج الانتخابات يعني قرار واضحا لكل الاطراف بان البلد خالي من اية قيمة دستورية او قانونية او قضائية قادرة على ايقاف التدهور او التزوير او التلاعب بل ان البلد خالي من كل سلطة محترمة دينية او حكومية او سياسية او شعبية او اعلامية قادرة على ضبط ايقاع تجربة الانتخابات ورسالة واضحة لكل الاطراف السياسية باستخدام القوة والنفوذ لبسطه على عملية التداول السلمي للسلطة مستقبلا.

الحل الوطني:

1 ـ لابد من التفاعل مع اللجنة التي شكلها مجلس الوزراء اخيرا من اجل التحقيق في العملية الانتخابية عموما وتقديم كل التسهيلات لها من اجل تصحيح كل المسارات الخاطئة لان عمل هذه اللجنة هو من سيضفي الشرعية القانونية على نتائج الانتخابات وسيكون تقريرها النهائي وتنفيذه لاحقا هو المدخل للتصديق الشرعي على نتائج الانتخابات.

2 ـ على الاطراف الفائزة وفي مقدمتها  (سائرون والفتح) ان تقدم نموذج وطني يحتذى به في طريقة التعاطي مع التحقيق والتصديق وان لا تندفع بهاجس الخوف او الالغاء، لان النتيجة فيما اذا صبت في صالحهم الان قد تصب في غير صالحهم مستقبلا آنذاك لن يتمكنوا من الدعوة للتحقيق، من هنا يتوجب على هاذين الفائزين ان يكونا المبادر الاول للتعاون مع مجلس الوزراء واللجنة المشكلة لانجاز المهمة، لانهما الطرف المستفيد الاول من عملية التحقيق واضفاء الشرعية على الانتخابات لانها بالاصل عملية اضفاء شرعية على نتائجهم وفوزهم وحقهم لاحقا في الادارة والمناصب، ناهيك عن انهم سيكرسان نموذجا وطنيا جديدا لكل الاطراف الفائزة مستقبلا من ان يكون بمستوى الوطن والشرعية والقانون والدستور لا ان يتحدثا بالوطنية قولا وهم يرفضان اهم اسسها وهو في الوصول الى السلطة بصورة شرعية وقانونية، والتزوير والتلاعب بنتائج الانتخابات هو اسوء انواع الفساد والخراب ودعاة محاربة الفساد والاصلاح لابد ان يكون مدخلهم سليم قانونيا وقضائيا وان تكون خطواتهم الاولى صحيحة، وان دعوات الاصلاح ومحاربة الفساد لابد ان تنطلق اولا من عملية اضفاء الشرعية على نتائج الانتخابات.