المظاهرات المطلبية…انقسام عراقي جديد بين شارع مستقل في مواجهة شارع متحزب

المدار / فريق التحليل السياسي

في التجارب الديمقراطية تتاسبق الاحزاب لكي تكون ممثلة اصيلة عن الشعب ويتم ذلك من خلال الانتخابات حيث تصوت الناس لهذا الحزب او ذاك لكي يكون ممثلا لها في السلطات التشريعة او التنفيذية ، هذه الكلمات باختصار هي صورة الحكم الافضل عبر التاريخ وهي الصورة التي يرجع فيها الى الامة او الشعب لاختيار الحاكم، واذا ما حصل فشل او نكوص او تراجع فان الناس تقوم باختيار حزب آخر بديل للقيادة كدليل على فشل الحزب او كدليل على رفضه سياسيا واختيار طرف آخر له برامج اخرى.

لكن لم يحصل في تجربة سياسية حديثة كما هو حال العراق ان يرفض نصف الشعب كل الاحزاب دفعة واحدة مما يقود الى اشكالية سياسية قاسية وفريدة من نوعها وهي انقسام المجتمع العراقي بين مواطن مستقل رافض للاحزاب كلها ومتضاهر ضدها، وبين مواطن اخر متحزب اختار احد الاحزاب من خلال الانتخابات لكي تمثله سياسيا وحكوميا.

 فمن هو صاحب التمثيل الحقيقي للشعب، الشارع المستقل ام الشارع المتحزب ؟.

بمعنى هل بقيت للاحزاب شرعية شعبية تخولها التفاوض لتشكيل الحكومة القادمة والناس تهاجم مقراتها وتحرقها وترفض تصديها وقيادتها بعد ان قاطعتها في الانتخابات؟.

كيف يمكن تجاوز هذه الاشكالية الحديثة التي يرفض فيها نصف الشعب او اكثر في ان تكون الاحزاب هي الممثل الشرعي له امام الدولة وهل سيقود هذا الامر بالاحزاب وقادتها الى ايجاد صيغة حلول اخرى او تغيير في طبيعة تفكيرها وعملها السائد خلال السنوات الـ 15 الماضية لكي تعود مرة اخرى معبرة عن الواقع العراقي ومخوله من الشعب او اغلبه بصفة التمثيل السياسي؟.

على المستوى النظري والدستوري والقانوني  فمن صوت وانتخب هو صاحب الحق القانوني في التصدي لتمثيل الامة او الشعب، وان من حرم نفسه لاي سبب كان فهو انما وضع نفسه خارج اطار الدائرة المؤثرة قانونيا في صنع القرار والتاثير، لكن هل تنتهي القصة هنا ويصبح النصف الثاني (المستقل) خارج اطار دائرة التاثير فقط ام ان له كلمة اخرى برزت خلال الايام الماضية؟.

المظاهرات المطلبية التي سادت المحافظات الجنوبية الوسطى خلال الايام الماضية هي صوت المواطن (المستقل) الرافض للأحزاب وليس للنظام وان حاول البعض منهم وعلى الطريقة المشرقية الاوسطية في الاضرار بالممتلكات العامة كطريق للتعبير عن غضبة على عموم الوضع السياسي والخدمي في مدينته او في البلد عموما ، وبالمحصلة فان النصف الثاني المستقل من الشعب الذي امضى السنوات الماضية ساكتا مكتفيا بتمثيل النصف المتحزب قد بدا في اظهار نفسه وبقوة ابتداء بنسبة المقاطعة الكبيرة في الانتخابات الماضية او في التظاهرات الحالية وربما في خطوات اخرى لاحقة..

لقد اجبر الشارع المستقل الحكومات الحزبية والحكومة المركزية على الاستجابة لطلباته بطريقته الخاصة وكان مستعدا ان يسحب الشارع الحزبي الى مواجهات فيما لو لم يستجب العبادي وبذكاء منذ اليوم الاولى ويوجه اوامره الى الاجهزة الامنية بحماية مقرات الاحزاب لكي لا يندفع كل حزب للدفاع عن نفسه بقوة السلاح فيتحول الامر من مظاهرات مطلبية الى حرب شعبية بين شارعين مستقل ومتحزب.

والاهم في هذه المعادلة ايضا ان الشارع المستقل قد توجه بمطالبة الى حكومة بغداد مباشرة ايضا وعبر عن عدم ايمانه بحكومات الاحزاب المحلية بعد ان اثبتت تجربة المجالس المحلية عن فشل فضيع ربما سيقود الى تفكك الدولة العراقية الحديثة مالم يعالج هذا الموضوع خلال المرحلة القادمة بصيغة ما.

الخلاصة ان المظاهرات المطلبية الاخيرة قد سحبت البساط من تحت اقدام اغلب الاحزاب التي تدعي تمثيل المجتمع العراقي بنسبة كبيرة ، واثبت الشارع المستقل عن قوة وتحدي لسلطة الحكومات المحلية الحزبية وحتى الحكومة الاتحادية ، وفي الوقت الذي يتصارع فيه شارع الاحزاب على قيمة ما موجود في الصناديق من اصوات واذا ماكانت مزورة او لا كان الشارع الثاني المستقل في واد تظاهري آخر، فهل سحبت الاحداث الاخيرة نصف شرعية الاحزاب الحالية؟؟.

من سيتصدى لقيادة الشارع المستقل وهو عرضة للاستغلال داخليا وخارجيا؟ ، كيف سيتعامل الواقع الحزبي في العراق مع هذه الاشكالية المحرجة جدا خلال المرحلة القادمة ؟.

هل ستنتهي المظاهرات مع تحقيق المطالب الاولية ام ان السخط مرحلة  ابعد  واوسع من التوظيف والخدمات مثلما حاول البعض ربطها باصل النظام والعملية والسياسية والدستور والتغيير؟.

هي مهمة جديدة في غاية الصعوبة تلقى على عاتق الحكومة الاتحادية العراقية في بغداد ورئيسها ايضا لكي يجد معادل توازن موضوعي جديد يضاف الى قائمة التوازنات السابقة بين شارع مستقل يريد تنفيذ مطالبه وشارع متحزب اخر لديه تصورات وبرامج مختلفة احيانا عن الشارع الاول…

اسئلة ملحة بحاجة الى وقت لكي تتضح اجابتها بصورة اكثر……