رصد لستراتيجية العبادي في التعامل مع ازمة التظاهر المطلبي الاخيرة

المدار / خاص / باسم العوادي

لم تكن اياما سهلة تلك التي انطلقت فيها المظاهرات في الجنوب والفرات الاوسط،  ولم تكن ستراتيجية التعامل معها بالامر السهل لكل متصدي لان اي افراط او تفريط في سياسية الاستيعاب والاستجابة والمعالجة والردع كانت ستؤدي الى نتائج يمكن ان تكون خطيرة ولكان واقعنا الان مختلف تماما.

لاشك  ان المظاهرات قد اندلعت (سواء كانت عفوية او بتحريك) في وقت حرج جدا امتاز بعوامل حاضنة لتطوير الازمة واستمرارها منها :

1 ـ غياب للسلطة التشريعة التي انتهت دورتها الثالثة في مطلع تموز الجاري.

2 ـ الحكومة دستوريا توصف بانها  حكومة تصريف اعمال يومية.

3 ـ ازمة الانتخابات لازالت مشتعلة وفي دهاليز العد والفرز وما ينتج عنه لاحقا.

4 ـ العلاقة السياسية بين الاطراف متأزمة بسبب الانتخابات او بسبب النزاع والصراع على المنصب التنفيذي الاول في البلد ما يجعل التكاتف بينها امر صعبا.

5 ـ محاولة كل الاطراف السياسية لاستمالة الشارع لصالحه بالضد من المنافس الآخر كأحد افرازات النقطة  الرابعة اعلاه.

6 ـ تأييد واضح مرجعي ونخبوي للتظاهرات ومطاليبها التي وصفت (بالحقة) ما يعطيها زخما كبيرا للاستمرارية والاتساع.

7 ـ تخوفات جدية من طابع العفوية العراقية او الاستغلال الممنهج والتي ما تترك دائما اثارا مدمرة على البنى التحتية ومؤسسات الدولة والممتلكات العامة قبل ان تسكن وتهدأ والتجارب السابقة على ذلك كثيرة.

8 ـ اخطر ازمة فعلية تواجه الدولة العراقية الحديثة لانها عبارة عن مواجهة بين الشارع الداعم والحاضن للعملية السياسية وبين حكومات الاحزاب المحلية والحكومة الاتحادية.

9 ـ بوادر واضحة لمواجهة بين المتظاهرين والاجهزة الامنية يمكن ان تقود الى ضحايا ودماء لا حصر لها.

بمعنى ان كل الظروف الموضوعية لحصول حالة اشبه (بالانتفاضة) غير المسيطر عليها كانت موجودة ولاشك ان توفر  هذه البيئة المناسبة لحصول احداث كبيرة هو ليس من اختصاص عموم الناس بل من اختصاص من يمتلك خبرة التحريك داخليا وخارجيا في الوقت المناسب وان كان المتحرك على احقية.

من هنا تأتي اهمية الستراتيجية التي اتبعها رئيس الوزراء العبادي في (تفكيك) نقاط التوتر بذكاء منطقع ادى الى تخفيف واضح من حدة الازمة والى تصحيح  مسار الاحداث والى رسم خط فاصل بين حق المواطن وحق الدولة حيث يقف كلا منها عند حده المتفق عليها دستوريا.

ويمكن رسم ستراتيجية العبادي في التعاطي مع الازمة بالنقاط التالية :

أولا: عدم الاستخفاف بالازمة مطلقا وتحديد بؤرة الدوامة التي ستطلق الاعصار من البصرة والتحرك باتجاهها مباشرة والاطلاع على مدى خطورتها بصورة شخصية وعدم الاكتفاء بتقارير اللجان او النقولات الاعلامية او الخاصة.

ثانيا: التزام الفصل الواضح بين حدود المواطن وحدود الدولة منذ لحظة الازمة الاولى والحديث علنا عن القبول بكل حق للمواطن تحدث عنه الدستور وعدم التفريط بكل حق كفله الدستور للدولة ايضا، وان تجاوز الحد من اي طرف منهم على حساب الاخر يعني عدم التساهل مطلقا، وقد عبر العبادي في مؤتمراته الصحفية عن هذه الحقيقة بقوة واصرار بالرغم من الانتقادات التي وجهت اليه في محاولة للضغط عليه لكي يفقد توازنه الدستوري هذا.

ثالثا: الالتزام الجدي بتحقيق مطالب المتظاهرين فعليا وليس استثمارهم او استغلالهم او اسكاتهم مؤقتا وتشكيل لجان خاصة وعامة من كل الوزارات والاجهزة المختصة لمعالجة الخلل وتقديم المقترحات في تجاوز الازمة، وبضمنها خلال الفترة القادمة سياسة الحزم في محاسبة المقصرين في الاداء الوظيفي المحلي باعتبارهم احد الاسباب الخطيرة والتي يمكن ان تعيد ازمة التظاهر مستقبلا لو لم يتم التوقف عندها بقوة.

رابعا: التواصل الجدي بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية واستقبلال الوفود الجماهيرية للاستماع لمطاليبها وشكواها مباشرة من خلال السلطات الشرعية الدستورية وهي الحكومات المحلية وليس من خلال تشكيلات اخرى غير معترف بها رسميا كما حاولت بعض الاطراف ان تدفع بذلك.

خامسا: تفعيل اداء الحكومة المركزية في بغداد والوزارات المعنية بالازمة تحديدا بعد ان اصابها الخمول بسبب الظروف التي اشرنا اليها مقدما.

سادسا: ادارة حازمة وناجحة للملف الامني والاجهزة الامنية وانعقاد مجلس الامن الوطني بصورة دورية ولعدات مرات متتالية والحديث علنا عن حق المواطن بالتظاهر وحق رجل الامن في اداء واجبه والدفاع عن نفسه وعن مؤسسات الدولة وان من يتجاوز الحد منهما سيتحمل المسؤولية واستطاع بمواقفه ان يمنع انهيار امني كاد ان يبدأ من النجف بتخلي بعض الضباط عن واجبهم والهروب.

سابعا: التحرك باتجاه قادة القوى السياسية جميعا واللقاء بهم في اجتماع مشترك والاتفاق على خطوط عريضة لادارة الازمة ثم اعلان مسؤولية الدولة في حماية المقرات الحزبية وابعاد المتظاهرين عنها في التفاته حساسة جدا تمنع من قيام الاحزاب بالاتكال على افرادها في حماية مؤسساتها وما ينتج عن ذلك مع بدايات حرب اهلية.

ثامنا: اعماد سياسية استخبارية حازمة وفعالة وهذا ما اكده العبادي خلال لقائه بقادة الاجهزة الامنية والحشد قادت الى فرز فعال بين انواع المتظاهرين واتجاهاتهم وقادت هذه السياسية باعتراف العبادي الى اعتقال العشرات ممن اعترف بكونه مندس مما خفف من حدة التجاوزات وتوجيه التظاهر في اتجاهه المطلبي القانوني.

تاسعا: التحرك باتجاه الحشد الشعبي وزيارة مقر قيادته باعتباره مؤسسة عسكرية عراقية للتخفيف من حدة اي توترات نشأت قبلها لكي لا يستمثرها من يتصور بوجود قطيعة نهائية بين القيادة العامة والحشد الشعبي.

عاشرا: السيطرة الاعلامية على تطورات الازمة ومنع كل من كان يعول على تهويل الازمة او استخدام الاشاعة لايهام الناس وجر الشارع و الراي العام من خلال التظليل الى مواقف خطيرة وقد حاولت مؤسسات اعلامية او حسابات تواصل اجتماعي او صفحات شخصية في فعل ذلك وبائت بالفشل.

عاشرا: العمل على ان لا تأخذ الازمة وعي الدولة وتترك الملفات الاخرى حيث استمرت العمليات العسكرية بالضد من داعش بنفس الوتيرة وزادت الاجهزة الامنية من تركيزها ولم يتعطل اي مفصل من مفاصل الدولة حتى في المدن التي شهدت التظاهر.

هذه النقاط اختصرت ستراتيجية فعالية جدا للعبادي من مفصلين (الاستجابة والحزم) قادت الى تسكين التظاهر واخراج الواقع العراقي من دوامة عنيفة يمكن ان تتطور لتطيح بكل ما تحقق سابقا في ساعة غفلة او خطأ في التقدير.

 التظاهر الذي تعتقد بعض مركز القرار الفعلية بانه لن ينتهي الا من خلال الاعلان عن الاتفاق لتشكيل الحكومة القادمة فالامور وان كانت عاطفيا تبدو وكانها بيد المواطن صاحب الحق في المطالبة بالمفقود من الخدمات الا ان المستثمر السياسي الفعال لايمكن ان يفغل عن استغلال مثل هذه الظروف لكي يحصد بعض نتائجها لاحقا.